تجدد المواجهات الدامية في حضرموت يهدد استقرار الشرق اليمني ومخاوف من حرب استنزاف طويلة
- مواجهات عنيفة بين “الانتقالي” وقبائل حضرموت تقترب من حقول النفط الاستراتيجية.
- تعثر مساعي التهدئة السعودية وسط تحذيرات من تداعيات التصعيد على أمن الطاقة الإقليمي.
- غموض يلف الموقف الحكومي بعد تراجع نفوذ الدولة في مناطق الوادي والهضبة.
شهدت محافظة حضرموت، شرقي اليمن، اليوم الخميس 25 كانون الأول/ديسمبر 2025، تصعيداً عسكرياً خطيراً إثر اندلاع اشتباكات عنيفة بين تشكيلات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي ومسلحين من حلف قبائل حضرموت. وأسفرت المواجهات عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين، مما ينذر بتحويل المحافظة، التي طالما عُرفت باستقرارها النسبي، إلى ساحة صراع مفتوح قد يصعب احتواؤه.
وأكدت مصادر إعلامية، من بينها قناة “الميادين”، وقوع إصابات وخسائر بشرية إثر الاشتباكات المتبادلة، دون أن تصدر حتى اللحظة إحصائية رسمية دقيقة لعدد الضحايا. واشتدت وتيرة المعارك في مناطق زراعية وسكنية حساسة، مقتربة بشكل مقلق من المنشآت النفطية، وسط تحذيرات متصاعدة من أن استمرار هذا الاقتتال قد ينسف جهود التهدئة التي تقودها المملكة العربية السعودية، ويهدد بشكل مباشر أمن الطاقة في المنطقة.
شرارة الأزمة ومعركة النفوذ
تعود جذور هذا التصعيد إلى التحركات العسكرية الواسعة التي دشنها المجلس الانتقالي الجنوبي مطلع كانون الأول/ديسمبر الجاري، في مسعى لبسط سيطرته الكاملة على جغرافيا محافظة حضرموت، بما يشمل مناطق “الوادي” و”الهضبة” التي تمثل الثقل النفطي والاقتصادي للبلاد.
ووصفت مصادر محلية مطلعة تحركات المجلس الانتقالي بأنها “محاولات لفرض واقع جديد بقوة السلاح”، متجاوزة حالة التوازن الدقيق الذي ساد المحافظة لفترة طويلة بين السلطة المركزية والقوى القبلية والمحلية. ويرتبط هذا الصراع بجذور أعمق تتعلق بتوزيع السلطة والثروة، والمخاوف المتنامية لدى المكونات الحضرمية من هيمنة طرف سياسي واحد على مقدرات المحافظة، خاصة في ظل تراجع النفوذ الميداني للحكومة المعترف بها دولياً.
خارطة المواجهات: من الأودية إلى محيط “بترو مسيلة”
تتركز العمليات العسكرية حالياً في مناطق الوادي الزراعي الحساسة، وتحديداً في “وادي خردة” ومنطقة “خرد” الجبلية شمال مدينة الشحر، وامتدت لتشمل منطقة “الخشعة” وعدداً من قرى مديرية “غيل بن يمين”.
ويشكل قرب هذه المواجهات من التجمعات السكانية خطراً داهماً على حياة المدنيين، كما تسبب في شلل حركة النقل بين المديريات، وسط تقارير تفيد بتعثر وصول الخدمات الأساسية لبعض المناطق. وفي تطور لافت، شهد محيط منشأة “بترو مسيلة” النفطية الاستراتيجية اشتباكات محدودة، قبل أن تتمكن قوات الانتقالي من تثبيت نقاط تمركز في أجزاء حيوية من محيطها، وفقاً لشهادات محلية.
أطراف الصراع: اصطفاف عسكري وقبلي
يقود المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم سياسياً وعسكرياً من دولة الإمارات، عملياته عبر تشكيلات قتالية متعددة، أبرزها ألوية الصاعقة وقوات الدعم والإسناد، إلى جانب وحدات من النخبة الحضرمية. وفي المقابل، يتصدى “حلف قبائل حضرموت”، الذي يمثل ائتلافاً قبلياً محلياً واسعاً، لما يعتبره تمدداً غير مبرر، رافضاً سياسة “الأمر الواقع” التي تتجاوز الأعراف القبلية والإدارة المحلية التقليدية.
وفي هذا السياق، صرح أحد وجهاء الحلف لوسائل إعلام محلية قائلاً:
“إن القبائل لن تقبل بأي حال أن تتحول حضرموت إلى ساحة لتصفية الحسابات أو صراع بالوكالة، ولن تسمح بإقصاء دورها التاريخي والمحوري في إدارة شؤون المحافظة وحماية أبنائها”.
تضارب الأنباء حول الخسائر البشرية
يخيّم الغموض على الحصيلة النهائية للضحايا في ظل غياب البيانات الرسمية الموحدة. وتحدثت مصادر محلية عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، بينما اكتفى المجلس الانتقالي بالإشارة إلى وقوع “خسائر محدودة” في صفوف قواته.
وفي تفاصيل ميدانية، رصدت مصادر متطابقة مقتل شخص من قبيلة العوالق وثلاثة أفراد من نقطة عسكرية تابعة للانتقالي، إضافة إلى إصابة اثنين من المسلحين القبليين في مواجهة منفصلة. ويعكس غياب الأرقام الدقيقة صعوبة التوثيق الميداني في ظل ما يوصف بـ “ضباب الحرب”، والتعتيم الإعلامي المتبادل، وصعوبة الوصول إلى مناطق الاشتباك الساخنة.
الدور السعودي والتباينات الإقليمية
تُعد التطورات الأخيرة مؤشراً مقلقاً على تعثر جهود الاحتواء التي تقودها الرياض لخفض التوتر في الجنوب والشرق اليمني. وكان رئيس حلف قبائل حضرموت، الشيخ عمرو بن حبريش، قد أجرى زيارة رسمية إلى الرياض لعقد لقاءات رفيعة المستوى تناولت سبل احتواء التصعيد وتداعياته الأمنية.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن الدعم اللوجستي والعسكري الذي يتلقاه المجلس الانتقالي يشير إلى أن مسارات التحرك على الأرض قد لا تكون متناغمة بالكامل مع أجندة التهدئة السعودية، التي تحذر باستمرار من انزلاق المحافظة نحو فوضى شاملة تهدد السلم المجتمعي والاستقرار في منطقة الخليج.
تهديد شريان الطاقة
تكتسب حضرموت أهميتها الاستراتيجية من احتوائها على أهم المنشآت النفطية وخطوط التصدير في اليمن. ويجعل هذا الواقع أي اضطراب أمني واسع النطاق ذا ارتدادات تتجاوز البعد المحلي. وتُعد منشأة “بترو مسيلة” عصب الإنتاج، وأي تعطيل لعملياتها سيفاقم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها الحكومة والمواطنون.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن تكرار سيناريوهات الصراع في عدن وشبوة داخل حضرموت سيرفع منسوب المخاطر على أسواق الطاقة، خاصة في ظل الحساسية المفرطة لمنطقة الخليج تجاه أي تهديدات تمس سلاسل الإمداد.
فراغ حكومي وقلق شعبي
في ظل هذه المعمعة، تبدو الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في موقف الضعف، بعد أن فقدت سيطرتها الفعلية على معظم مناطق المحافظة منذ انسحاب قوات المنطقة العسكرية الأولى من مدينتي سيئون وتريم مطلع الشهر الجاري. ولم يصدر عن الحكومة أي موقف حازم يدين أو يدعم أياً من الأطراف، مما يعكس تراجع حضورها السياسي والميداني.
وعلى الصعيد الشعبي، تسود حالة من الترقب والقلق بين سكان المناطق المتضررة، خشية تحول حضرموت إلى “عدن جديدة” تعصف بها الفوضى وتغيب عنها الخدمات. وتجمع الأصوات القبلية والمدنية على أن المحافظة، ببيئتها الاقتصادية الهشة، لا تحتمل الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة الأمد قد تقضي على ما تبقى من مقومات الحياة ومؤسسات الدولة.
