في تصعيد سياسي لافت يعكس عمق التباينات داخل معسكر “الشرعية” اليمني، وصفت المملكة العربية السعودية التحركات العسكرية الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة بأنها خطوات “أحادية الجانب”، جرت دون تنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي أو قيادة التحالف، محذرة من تداعيات هذا “التصعيد غير المبرر” على مصالح الشعب اليمني ومسار القضية الجنوبية، فضلاً عن تأثيره المباشر على تماسك الجهود العسكرية الموحدة.
ونقلت قناة “الإخبارية” السعودية عن وزارة الخارجية في الرياض، بياناً شديد اللهجة أكدت فيه أن المملكة تتابع بقلق بالغ التغييرات الميدانية التي فرضتها القوات التابعة للمجلس الانتقالي في محافظات الشرق والجنوب اليمني، معتبرة إياها خروجاً صريحاً عن الأطر السياسية والعسكرية المتفق عليها داخل التحالف الداعم للحكومة المعترف بها دولياً.
«إن التحركات العسكرية الأخيرة في محافظتي حضرموت والمهرة، التي نفذها المجلس الانتقالي الجنوبي، تمت بشكل أحادي ودون موافقة مجلس القيادة الرئاسي أو التنسيق المسبق مع قيادة التحالف، ما أفضى إلى تصعيد غير مبرر يهدد الاستقرار».
تطورات ميدانية متسارعة وتغيير لقواعد الاشتباك
على الصعيد الميداني، تشير المعطيات إلى أن قوات المجلس الانتقالي الجنوبي دشنت في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2025 عملية عسكرية واسعة النطاق، تجاوزت الخطوط التقليدية في جنوب وشرق البلاد، لتتمدد خلال أيام معدودة نحو عمق وادي حضرموت ومحافظة المهرة الاستراتيجية المحاذية لسلطنة عُمان.
وفي الثالث من ديسمبر، نفذت تشكيلات “القوات المسلحة الجنوبية”، مدعومة بوحدات من “النخبة الحضرمية”، سلسلة هجمات منسقة استهدفت مواقع المنطقة العسكرية الأولى في سيئون، ومراكز حيوية أخرى في الوادي، في تحرك أربك الحسابات العسكرية القائمة.
ولم تمضِ 48 ساعة حتى تمكنت القوات المحسوبة على الانتقالي من بسط سيطرتها على مدن محورية مثل سيئون وتريم، لتُتوّج عملياتها في الرابع من ديسمبر بالسيطرة على حقول “بترومسيلة” النفطية؛ المنشأة الاقتصادية الأهم في اليمن، مما شكّل انعطافة جوهرية في موازين القوى الاقتصادية والعسكرية.
وبحلول التاسع من الشهر ذاته، كان المجلس الانتقالي قد رسخ وجوده العسكري في معظم الجغرافيا التي كانت تشكل “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية” سابقاً، فارضاً طوقاً عسكرياً يمتد على طول الشريط الساحلي الجنوبي وصولاً إلى البوابة الشرقية في المهرة.
الرياض: تقويض للشرعية وتهديد لوحدة التحالف
ركز البيان السعودي على البعدين السياسي والمؤسسي لهذه التطورات، عادّاً إياها تجاوزاً خطيراً لسلطة مجلس القيادة الرئاسي، الذي يُفترض به أن يكون المظلة الجامعة لكافة القوى المناهضة للحوثيين، بما في ذلك المجلس الانتقالي نفسه.
وترى الرياض أن هذه التحركات لا تمثل مجرد تغيير في خرائط السيطرة، بل تشكل خرقاً للترتيبات الناظمة للعلاقة بين فرقاء الشرعية، وفي مقدمتها “اتفاق الرياض” الذي رعته المملكة. ومن المنظور السعودي، فإن هذا التقدم الأحادي يؤسس لواقع خطير يتمثل في:
- إضعاف السلطة الفعلية والرمزية لمجلس القيادة الرئاسي على الأرض.
- تهديد وحدة الموقف العسكري والسياسي داخل التحالف العربي.
- إرباك الجبهة الجنوبية وتشتيت الجهود في وقت لا تزال فيه المواجهة مفتوحة مع جماعة الحوثي.
وتحذر دوائر سياسية سعودية من أن أي محاولة لإعادة رسم موازين القوى في الجنوب خارج إطار التفاهمات الجماعية، قد تنعكس سلباً على مساعي التسوية السياسية الشاملة، وتضر بصورة التحالف الذي تقوده الرياض منذ عام 2015.
«الانتقالي»: استعادة للسيادة وليست انقلاباً
في المقابل، يرفض المجلس الانتقالي الجنوبي توصيف تحركاته بـ”الانقلاب”، مؤطراً عملياته العسكرية ضمن سياق “تحريري” يهدف إلى “استعادة السيادة الجنوبية” وتأمين المحافظات من حالة الانفلات الأمني، ومشدداً على ضرورة إنهاء ما يصفه بـ”عقود من الإقصاء والتهميش”.
«إننا نضع حداً لثلاثة عقود من الاحتلال القسري والانتهاكات المستمرة، ونعمل على استعادة القرار الجنوبي ليكون بأيدي أبنائه».
إلا أن منتقدي هذه السردية يحذرون من خطورة فرض واقع انفصالي بقوة السلاح قبل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، مشيرين إلى أن ذلك قد يكرس تقسيماً فعلياً للبلاد بين شمال يسيطر عليه الحوثيون، وجنوب خاضع لتشكيلات الانتقالي، مع بقاء “الشرعية” مجرد هيكل ضعيف بلا نفوذ.
الأهمية الاستراتيجية: نفط حضرموت وبوابة المهرة
تكتسب محافظتا حضرموت والمهرة وزناً استراتيجياً استثنائياً يفسر حساسية رد الفعل السعودي والخليجي. فحضرموت تحتضن كبرى الحقول النفطية، وعلى رأسها “بترومسيلة”، التي تمثل شريان الحياة المالي لأي سلطة، وسيطرة الانتقالي عليها تمنحه استقلالية مالية وقدرة تمويلية بعيداً عن الحكومة المركزية.
أما المهرة، فتشكل بحدودها مع سلطنة عُمان وإطلالتها على بحر العرب، عقدة جيواستراتيجية تتقاطع فيها ملفات أمن الحدود، ومكافحة التهريب، وحسابات النفوذ الإقليمي. ويرى مراقبون أن تثبيت نفوذ الانتقالي في هاتين المحافظتين يمنحه أوراق ضغط حاسمة تشمل:
- السيطرة على ما يقارب 80% من احتياطيات النفط المؤكدة في اليمن.
- الإشراف الميداني على معظم الشريط الساحلي الجنوبي.
- تعزيز موقفه التفاوضي لفرض شروطه في أي تسوية سياسية قادمة.
تصدع الجبهة المناهضة للحوثيين
تأتي هذه الأزمة في توقيت حرج تسعى فيه السعودية لخفض التصعيد والدفع بمسار التهدئة مع الحوثيين. ويرى محللون أن التوتر مع المجلس الانتقالي يهدد بتشتيت جهود التحالف واستنزاف موارده في صراعات بينية بدلاً من توجيهها نحو الهدف المعلن.
ويشير المراقبون إلى أن الخلاف المستجد بين الرياض والانتقالي يؤدي عملياً إلى:
- إضعاف التنسيق العملياتي والاستخباري في مواجهة الحوثيين.
- زيادة احتمالات الصدام المسلح بين فصائل تنتمي نظرياً للمعسكر ذاته.
- منح الحوثيين فرصة ذهبية لاستثمار هذا الانقسام لتعزيز نفوذهم وتحسين شروطهم التفاوضية.
كما يلاحظ غياب موقف موحد وواضح باسم قيادة التحالف ككل، ما يُقرأ كمؤشر على تباين في الرؤى بين السعودية والإمارات حول مستقبل الجنوب وترتيبات النفوذ فيه.
تلويح سعودي بإجراءات عقابية
كشفت تقارير إعلامية متطابقة أن الرياض أبلغت قيادة المجلس الانتقالي بضرورة تنفيذ انسحاب “فوري ومنظم” من المواقع المستحدثة في حضرموت والمهرة، محددة مهلة زمنية تنتهي في 29 ديسمبر (كانون الأول) 2025.
وتفيد المصادر باحتمالية لجوء المملكة إلى خيارات تصعيدية في حال عدم الاستجابة، قد تشمل:
- فرض قيود مالية واقتصادية مشددة على الكيانات المرتبطة بالمجلس.
- الدفع نحو تصنيف المجلس أو قياداته كـ”معرقلين للتسوية السياسية” في المحافل الدولية.
- استهداف قيادات الصف الأول، بمن فيهم رئيس المجلس عيدروس الزبيدي، بإجراءات عقابية.
ورغم عدم صدور تأكيدات رسمية مفصلة حول طبيعة هذه العقوبات، إلا أن خروج الخلاف إلى العلن عبر بيان الخارجية السعودية يؤكد أن الأزمة تجاوزت الغرف المغلقة إلى مرحلة كسر العظم السياسي.
مخاوف الشارع: شبح صراع جديد
شعبياً، يسود انقسام في الشارع الجنوبي؛ فبينما يرى أنصار المجلس الانتقالي في هذه التحركات فرصة تاريخية لـ”تصحيح مسار الوحدة”، تبدي قطاعات واسعة خشيتها من تحول الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الحلفاء.
وتتمحور المخاوف الشعبية حول:
- احتمالية تقييد حركة الأفراد والبضائع مع تغير خرائط السيطرة.
- انهيار منظومة الخدمات الأساسية الهشة أصلاً نتيجة ازدواجية الإدارة.
- إذكاء النعرات القبلية والمناطقية، لا سيما في حضرموت والمهرة اللتين تتمتعان بخصوصية اجتماعية.
- خطر استغلال التنظيمات المتطرفة للفراغ الأمني الناتج عن الصراع.
ومع اقتراب موعد انتهاء المهلة السعودية في التاسع والعشرين من ديسمبر، يبقى المشهد اليمني مفتوحاً على كافة الاحتمالات؛ فإما تغليب لغة المصالح وإعادة ضبط التحالفات، أو الانزلاق نحو مواجهة قد تعيد رسم خريطة الصراع في اليمن برمتها.
