إسرائيل تعلن تصفية عنصر في «فيلق القدس» داخل لبنان.. وتخوفات من انزلاق المنطقة نحو المجهول
- الجيش الإسرائيلي يتبنى استهداف كادر إيراني في العمق اللبناني دون كشف هويته.
- صمت رسمي في بيروت وطهران وسط غموض يلف موقع الضربة ونتائجها.
- تحذيرات من انهيار «قواعد الاشتباك» وتوسع المواجهة لتشمل وكلاء إيران في الإقليم.
في تصعيد جديد يُنذر بخلط الأوراق العسكرية في الشرق الأوسط، أعلنت إسرائيل، يوم الخميس 25 ديسمبر (كانون الأول) 2025، مسؤوليتها عن تصفية أحد كوادر «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، وذلك في غارة جوية استهدفت موقعاً داخل الأراضي اللبنانية، مما يضع الهدنة الهشة على الحدود الشمالية أمام اختبار حقيقي وخطير.
وجاء الإعلان الإسرائيلي مقتضباً عبر قنوات عسكرية رسمية، فيما نقلت خدمة الأخبار العاجلة لشبكة «الجزيرة» عبر منصة «إكس» أن تل أبيب «تزعم تصفية عضو في فيلق القدس الإيراني بهجوم داخل لبنان». ولم يُفصح الجيش الإسرائيلي عن اسم المستهدف، أو رتبته العسكرية، أو حتى الموقع الدقيق للعملية، مكتفياً بالإشارة إلى انتمائه للذراع الخارجية للحرس الثوري، التي تتولى مهام التنسيق مع الفصائل المسلحة في المنطقة.
ويحمل هذا الإعلان، برغم شحّ تفاصيله، دلالات أمنية بالغة الحساسية؛ إذ يُعد استهداف عناصر الحرس الثوري في الساحة اللبنانية تجاوزاً للخطوط الحمر التقليدية، وتحدياً مباشراً لشبكة التحالفات التي تديرها طهران من بغداد إلى بيروت.
غموض عملياتي وصمت مطبق
حتى ساعة كتابة هذه السطور، يلف الغموض تفاصيل العملية الجوية. ولم تتضح بعد ماهية الهدف، وهل كان اجتماعاً أمنياً أم موقعاً لوجستياً، كما لم تصدر أي تقارير مستقلة تؤكد وقوع إصابات بين المدنيين أو حجم الأضرار المادية الناجمة عن القصف.
وعلى الجانب الآخر، التزمت السلطات اللبنانية الصمت، ولم تصدر أي رواية رسمية تنفي أو تؤكد وقوع الهجوم داخل سيادتها الوطنية. وبالمثل، لم يصدر عن طهران أي تعليق فوري حول فقدان أحد عناصرها، مما يترك السردية الإسرائيلية هي الوحيدة المتداولة إعلامياً، ويزيد من ضبابية المشهد.
ويرى خبراء عسكريون أن إسرائيل تواصل من خلال هذه العمليات نهج «المعركة بين الحروب»، وهي استراتيجية تهدف إلى استنزاف القدرات الإيرانية ومنع تموضعها العسكري قرب الحدود، سواء في سوريا أو لبنان، عبر ضربات جراحية تحاول تجنب إشعال حرب شاملة.
يقول مراقبون للشأن العسكري: «إن الإعلان عن استهداف شخصية بوزن عناصر فيلق القدس يحمل رسائل ردع بالنار موجهة لطهران، ورسائل طمأنة للداخل الإسرائيلي بقدرة الجيش على الوصول لخصومه أينما وجدوا».
لبنان على صفيح ساخن
يأتي هذا التطور في توقيت بالغ الحرج بالنسبة للجبهة اللبنانية، التي تعيش حالة من «الحرب المقيدة» منذ أشهر. وتخشى الأوساط السياسية في بيروت أن تؤدي هذه العملية – حال تأكدت – إلى كسر قواعد الاشتباك الدقيقة القائمة بين «حزب الله» وإسرائيل.
ويعيش الجنوب اللبناني واقعاً ميدانياً متوتراً، حيث تتبادل الأطراف القصف ضمن هوامش جغرافية وعسكرية محددة، في ظل مساعٍ دبلوماسية دولية حثيثة لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع تدحرج كرة النار إلى حرب إقليمية واسعة لا تُبقي ولا تذر.
وتشير التقديرات إلى أن أي تأكيد لمقتل شخصية إيرانية وازنة على الأراضي اللبنانية قد يضع «حزب الله» وطهران أمام حتمية الرد، للحفاظ على هيبة «محور المقاومة» ومعادلة الردع، وهو ما قد يفتح الباب أمام سيناريوهات قاتمة يصعب التنبؤ بمآلاتها.
تداعيات اقتصادية وإقليمية
لا تقتصر مخاطر هذا التصعيد على الشق العسكري فحسب، بل تمتد لتضرب العصب الاقتصادي المنهك للبنان والمنطقة. فبيروت، التي تصارع أزمة اقتصادية غير مسبوقة، تعول على الاستقرار النسبي لتمرير المرحلة الحالية بأقل الخسائر، وأي مواجهة واسعة ستعني دماراً جديداً للبنية التحتية وانهياراً لما تبقى من مؤسسات الدولة.
إقليمياً، تنظر العواصم العربية بقلق بالغ لهذه التطورات، نظراً لارتباط أمن شرق المتوسط بمسارات الطاقة والملاحة العالمية. ويحذر اقتصاديون من أن ارتفاع منسوب التوتر قد يعيد مناخ الاستثمار في المنطقة إلى المربع الأول، ويرفع تكاليف التأمين والشحن، مما يضر بخطط التنمية الاقتصادية في الدول المجاورة.
حرب الظل تخرج إلى العلن
تثبت هذه العملية، بما لا يدع مجالاً للشك، أن المواجهة بين تل أبيب وطهران لم تعد مقتصرة على الحرب السيبرانية أو الملف النووي، بل تحولت إلى حرب استنزاف ميدانية تمتد عبر عواصم عربية عدة. ويُعد «فيلق القدس» العصب المحرك للنفوذ الإيراني الخارجي، واستهدافه يمثل محاولة إسرائيلية لقطع شريان الإمداد والتنسيق.
ومع ذلك، تبقى المخاطرة الإسرائيلية عالية؛ فاستمرار سياسة الاغتيالات قد يدفع طهران إلى تغيير تكتيكاتها، والتحول من «الصبر الاستراتيجي» إلى الرد المباشر أو عبر الوكلاء بشكل أعنف، خصوصاً إذا ترافقت العمليات مع خسائر بشرية كبيرة.
في المحصلة، ومع غياب المعلومات الموثقة والبيانات الرسمية من الأطراف المتضررة، يبقى المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات. ويظل السؤال الأبرز: هل تنجح الدبلوماسية في تطويق ذيول هذا الحادث، أم أن لبنان سيكون مجدداً ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية الدامية؟
