إسرائيل تعلن اغتيال قيادي في “فيلق القدس” بضربة جوية شرقي لبنان.. وتضارب في الروايات حول الموقع والهوية
شهدت الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية تطوراً ميدانيًا لافتًا، اليوم الخميس 25 ديسمبر/كانون الأول 2025، يُنذر بتصعيد خطير في وتيرة المواجهات؛ إذ أعلنت إسرائيل رسمياً عن اغتيال مسؤول بارز في “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، عبر غارة جوية نفذتها طائرة مسيّرة في منطقة البقاع شرقي لبنان. ويأتي هذا الحادث وسط تضارب في المعلومات الميدانية، وتزامناً مع تحذيرات من انهيار الهدنة الهشة القائمة مع “حزب الله”.
الرواية الإسرائيلية: استهداف “مهندس عمليات” الوحدة 840
في بيان مشترك، أعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) مسؤوليتهما عن تصفية حسين محمود مرشد الجواهري، الذي وصفته تل أبيب بأنه قيادي محوري في “الوحدة 840”؛ وهي ذراع العمليات الخارجية السرية التابعة لفيلق القدس.
ووفقاً للمزاعم الإسرائيلية، فإن الجواهري كان يدير شبكة معقدة من التنسيق الأمني والعسكري انطلاقاً من الأراضي السورية واللبنانية. وقد جاء في بيان الجيش الإسرائيلي:
“إن المستهدف كان مسؤولاً عن تخطيط وتنسيق عمليات موجهة من إيران ضد إسرائيل ومصالحها، وقد نشط في السنوات الأخيرة لتعزيز القدرات الهجومية انطلاقاً من الجبهة الشمالية”.
وتشير التقديرات العسكرية في تل أبيب إلى أن “الوحدة 840″، التي يُعتقد أنها تعمل تحت إمرة قيادات إيرانية مثل عسغر باقري ومحمد رضا أنصاري، تختص بتجنيد وتدريب وتوجيه خلايا لتنفيذ هجمات خارج الحدود الإيرانية، مما يجعل استهداف أحد كوادرها رسالة مباشرة لطهران تتجاوز الساحة اللبنانية.
غموض ميداني: تضارب حول موقع الغارة وانتماء الضحايا
على الرغم من الإعلان الإسرائيلي الواضح، ساد المشهد الميداني حالة من الالتباس بشأن تفاصيل العملية. فبينما أشارت تقارير أولية إسرائيلية إلى أن العملية نُفذت في محيط بلدة “الأنصارية” قرب صور جنوباً، أكدت معطيات أخرى، بما فيها تحديثات للمتحدث العسكري الإسرائيلي، أن الضربة استهدفت سيارة في منطقة “حوش السيد علي” في البقاع الشمالي، المتاخمة للحدود السورية.
من جانبها، أوردت الوكالة الوطنية للإعلام (الرسمية في لبنان) أن مسيّرة إسرائيلية استهدفت آلية في قضاء الهرمل (منطقة حوش السيد علي)، ما أسفر عن مقتل شخصين نُقلا إلى مستشفيات المنطقة، وتحدثت عن سقوط ضحية ثالثة في غارة منفصلة جنوبي البلاد.
وفي سياق متصل، نقلت وكالة أنباء “شينخوا” عن مصادر أمنية لبنانية رواية مغايرة لتوصيف الهوية، حيث أفادت بأن القتيلين في البقاع ينتميان إلى “حزب الله”، وهما حسين الجواهري وماجد قنسوة، وهو ما يتناقض جزئياً مع السردية الإسرائيلية التي ركزت على الصفة “الإيرانية” للهدف بوصفه كادراً في “فيلق القدس”. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يصدر نعي رسمي من الحرس الثوري أو توضيح تفصيلي من “حزب الله” يحسم الجدل حول الصفة التنظيمية للمستهدفين.
اختبار صعب للهدنة الهشة
تأتي هذه العملية النوعية لتضع اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أمام اختبار حقيقي. فعلى الرغم من سريان الهدنة التي أنهت عاماً من الاستنزاف المتبادل، رصدت منظمات دولية وتارير صحفية استمراراً للغارات الإسرائيلية بوتيرة شبه يومية، تحت ذريعة “إحباط تهديدات وشيكة” أو “استهداف بنى تحتية”.
وتبرر إسرائيل هذه العمليات بضرورة ضرب خطوط الإمداد الإيرانية ومنع إعادة تسليح الحزب، في حين تعتبر الحكومة اللبنانية هذه الخروقات انتهاكاً صارخاً للسيادة ولقرارات مجلس الأمن، داعية المجتمع الدولي للتدخل الفوري لوقف ما تصفه بـ”الاعتداءات الممنهجة” التي تعرقل عودة الاستقرار.
دلالات التوقيت والأبعاد الإقليمية
ويرى مراقبون أن اختيار هدف محسوب على “الحرس الثوري” داخل العمق اللبناني يحمل رسائل متعددة الاتجاهات، لاسيما في أعقاب التوترات التي شهدتها المنطقة خلال “حرب الأيام الاثني عشر” بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران الماضي. ويبدو أن تل أبيب تسعى لترسيخ معادلة “ملاحقة القيادات الإيرانية” أينما وجدت، وفصل مسار المواجهة مع إيران عن مسار الهدنة مع “حزب الله”، وهو فصل يبدو نظرياً صعب التحقيق واقعياً.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تتزايد المخاوف من انزلاق الوضع نحو سيناريوهات أكثر دموية، يلخصها خبراء عسكريون في ثلاث نقاط رئيسية:
- احتمالية رد عسكري من “حزب الله” أو فصائل حليفة لإيران، مما قد ينسف اتفاق التهدئة بالكامل.
- تحول لبنان وسوريا والعراق إلى “ساحات مفتوحة” لتصفية الحسابات الإسرائيلية-الإيرانية بعيداً عن ضوابط السيادة الوطنية.
- تفاقم الأزمة الداخلية في لبنان مع عجز الدولة عن ضبط حدودها أو تحييد أراضيها عن صراعات المحاور.
الترقب سيد الموقف
وبينما تلوذ طهران بالصمت الرسمي حتى الآن، وتكثف القواصم الدبلوماسية الغربية اتصالاتها لتطويق ذيول الحادث، يبقى السؤال الملح: هل ستمتص الأطراف المعنية هذه الضربة حفاظاً على الهدنة الهشة، أم أن اغتيال الجواهري سيكون الشرارة التي تعيد إشعال الجبهة الشمالية وتوسع دائرة النار في الإقليم؟
