في حادثة دامية أعادت إلى الأذهان مشاهد العنف التي عصفت بالبلاد لسنوات، لقي ما لا يقل عن ثمانية أشخاص مصرعهم وأصيب العشرات بجروح، إثر تفجير استهدف مسجد “الإمام علي بن أبي طالب” في مدينة حمص السورية، وذلك أثناء اكتظاظه بالمصلين لأداء صلاة الجمعة. وقد وقع الانفجار في حي ذي غالبية علوية، مما ضاعف من المخاوف بشأن دلالات التوقيت والمكان.
وتشير المعطيات الميدانية الأولية إلى أن التفجير وقع في ذروة الزحام داخل قاعة الصلاة، ما يفسر ارتفاع حصيلة الضحايا وتسبب في حالة من الهلع والغضب في أوساط الأهالي، في وقت تحاول فيه المدينة لملمة جراحها واستعادة مظاهر الحياة الطبيعية.
إدانة إسلامية واسعة وتضامن مع سوريا
وعلى الصعيد الدولي، سارعت رابطة العالم الإسلامي، من مقرها في مكة المكرمة، إلى إصدار بيان شديد اللهجة أدان الهجوم بأقسى العبارات. ووصف الأمين العام للرابطة، الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الحادث بأنه “جريمة إرهابية” تتنافى مع الفطرة الإنسانية والقيم الدينية.
وفي تصريح رسمي، أكد العيسى على موقف الرابطة المبدئي قائلاً:
“ندين التفجير الإرهابي الذي استهدف مسجد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مدينة حمص بالجمهورية العربية السورية. إن هذه الجريمة تجرد مرتكبوها من كل معاني الدين والإنسانية، إذ لم يراعوا حرمة النفس البشرية ولا قدسية الشعيرة ولا مكان العبادة.”
ولم يكتف البيان بالإدانة، بل حمل رسالة تضامن سياسية وإنسانية واضحة مع الدولة السورية في حربها ضد الإرهاب، حيث شدد الأمين العام على وقوف الرابطة إلى جانب سوريا، مضيفاً:
“نعرب عن التضامن التام مع الجمهورية العربية السورية في مواجهة كل ما يهدد أمنها واستقرارها، ونتقدم بخالص التعازي والمواساة لذوي الضحايا والمصابين وللشعب السوري كافة في هذا المصاب المؤلم، سائلين الله تعالى أن يتغمد المتوفين بواسع رحمته ويسكنهم فسيح جناته، وأن يمن على المصابين بالشفاء العاجل.”
مخاوف من تجدد العنف الطائفي
ويحمل استهداف مسجد يحمل اسم “الإمام علي بن أبي طالب” في منطقة ذات حساسية مذهبية بمدينة حمص، دلالات خطيرة تتجاوز مجرد العمل الأمني؛ إذ يرى مراقبون أن اختيار الهدف والتوقيت قد يندرج ضمن محاولات خبيثة لإعادة إحياء النعرات الطائفية، وضرب حالة الاستقرار الهش التي تعيشها المدينة بعد سنوات من التغيرات الديموغرافية والنزوح.
ويشكل هذا الاعتداء تهديداً مباشراً للنسيج الاجتماعي السوري، حيث يعد استهداف دور العبادة ضرباً في صميم التعايش الأهلي، ومحاولة لعرقلة مسارات المصالحة الداخلية وإعادة الإعمار التي تتطلب في المقام الأول بيئة آمنة ومستقرة.
تداعيات إقليمية ومسؤولية الخطاب الديني
لا يمكن قراءة هذا التفجير بمعزل عن السياق الإقليمي المتوتر؛ فالمخاطر لا تقتصر على الداخل السوري فحسب، بل تمتد لتشمل دول الجوار التي تتشابك فيها الخرائط المذهبية والسكانية. وتأتي إدانة رابطة العالم الإسلامي لتقطع الطريق على أي توظيف سياسي أو طائفي للحادث، مؤكدة أن الإرهاب لا دين له وأن استهداف المساجد هو عمل مدان بجميع المقاييس الشرعية والإنسانية.
ويعيد هذا الحادث طرح تساؤلات ملحة حول المنظومة الأمنية المكلفة بحماية دور العبادة، وضرورة تفعيل آليات حماية استباقية، خاصة خلال التجمعات الدينية الكبرى، لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي التي يدفع ثمنها المدنيون العزل.
