إسرائيل تعلن “الانتصار” في غزة وتتمسك بالبقاء وإقامة منطقة أمنية عازلة
- وزير الخارجية الإسرائيلي يقطع الطريق على الانسحاب ويؤكد “تغيير الواقع الأمني”.
- مخاوف فلسطينية وعربية من مخططات لفرض تهجير قسري وسيطرة عسكرية دائمة.
- تضارب بين “نشوة النصر” الإسرائيلية والمساعي الدولية لإنقاذ حل الدولتين.
فيينا / غزة – 25 ديسمبر 2025
في خطوة ترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع، وتنسف الآمال المعلقة على التحركات الدبلوماسية الراهنة، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم الخميس، أن إسرائيل قد حققت “الانتصار” في قطاع غزة. وأكد كاتس، في تصريح يحمل دلالات سياسية وعسكرية بالغة الخطورة، أن جيش بلاده لا يعتزم الانسحاب من القطاع، كاشفاً عن خطط فعلية لإقامة منطقة أمنية عازلة، وهو ما يضع تل أبيب في مسار تصادمي مباشر مع الإجماع العربي والدولي المطالب بوقف الحرب وفتح أفق سياسي للفلسطينيين.
وفي تصريحات تناقلتها وسائل الإعلام العبرية والدولية، قطع كاتس الشك باليقين بشأن نوايا حكومته، مشدداً على أن إسرائيل “لن تقبل بالعودة إلى الواقع الذي كان سائداً ما قبل السابع من أكتوبر”. وأوضح الوزير الإسرائيلي أن الترتيبات الأمنية المستحدثة ستتضمن فرض “حزام أمني” يعزل غزة عن الغلاف الإسرائيلي، مسوغاً ذلك بضرورة منع تكرار أي هجمات مستقبلية تشنها حركة حماس.
“إسرائيل انتصرت في غزة. لن ننسحب، وسنفرض منطقة أمنية عازلة تضمن أمننا”.
— يسرائيل كاتس، وزير الخارجية الإسرائيلي
بقاء عسكري وترسيخ للنفوذ الميداني
تأتي هذه التصريحات القاطعة في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية تبسط سيطرتها على مفاصل حيوية ومساحات واسعة داخل قطاع غزة، متجاوزة بذلك تفاهمات سابقة حول “وقف إطلاق نار” هش تم التوصل إليه بوساطة دولية، ومتجاهلة الإعلانات الرسمية عن “تقليص العمليات العسكرية”.
وتشير تقديرات أممية وتقارير ميدانية إلى أن الجيش الإسرائيلي يواصل إحكام قبضته على الأرض، منفذاً عمليات تمشيط ومداهمات واستهدافات مركزة لما يصفه بـ”البنية التحتية لحماس”. وتشي هذه التحركات بأن تل أبيب تسعى لإعادة هندسة “البيئة الأمنية” في القطاع، بما يكفل لها تفوقاً عسكرياً مطلقاً، ويمنحها حرية التدخل الميداني في أي توقيت، دون التقيد بحدود زمنية.
ويعني مصطلح “المنطقة العازلة” – وفق الرؤية الإسرائيلية – اقتطاع شريط من الأراضي الفلسطينية داخل حدود القطاع، يخضع لسيطرة عسكرية مباشرة ورقابة إلكترونية صارمة، مع فرض قيود مشددة على البناء، وحركة الأفراد، والوجود المدني الفلسطيني في تلك المساحات، ما يعني عملياً تقليص مساحة القطاع.
مخاوف فلسطينية من “هندسة ديموغرافية” جديدة
على الصعيد الفلسطيني، قُرئت تصريحات كاتس بوصفها إعلاناً صريحاً عن نية إسرائيل فرض وقائع نهائية على الأرض. وتتزايد الخشية من أن تشمل هذه المخططات توسيع المناطق المحظورة المحاذية للسياج الفاصل، في خطوة غير معلنة لدفع الكتلة البشرية الفلسطينية للنزوح القسري نحو عمق القطاع المكتظ، أو باتجاه الحدود المصرية.
وقد قرعت منظمات حقوقية، فلسطينية ودولية، أجراس الإنذار طوال الأشهر الماضية، محذرة من أن توسيع “المناطق العازلة” تحت ذرائع أمنية، سيؤدي فعلياً إلى قضم أجزاء من مساحة غزة الضيقة أصلاً، وتحويل القطاع إلى “معزل محاصر” أكثر اكتظاظاً وفقراً، مما يضع عراقيل شبه مستحيلة أمام إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى ديارهم.
ويرى مراقبون أن ربط سردية “الانتصار” بتثبيت الوجود العسكري الدائم، يهدف إلى تحويل وقف إطلاق النار من خطوة نحو السلام إلى حالة “تجميد للصراع” وفق الشروط الإسرائيلية، قاطعة بذلك الطريق أمام أي مسار سياسي يفضي لرفع الحصار أو تطبيق حل الدولتين.
تحدٍ صارخ للإرادة العربية والدولية
يصطدم الموقف الإسرائيلي الجديد بشكل مباشر مع الحراك الدبلوماسي العربي والدولي، الذي تبلور في الأشهر الأخيرة حول ثلاث ركائز: وقف شامل ومستدام لإطلاق النار، انسحاب إسرائيلي كامل، وإطلاق عملية سياسية جادة تفضي إلى دولة فلسطينية.
وكانت عواصم عربية ثقلية، في مقدمتها القاهرة والدوحة وعمّان والرياض، قد رهنت انخراطها في أي ترتيبات أمنية أو مشاريع لإعادة الإعمار بإنهاء الاحتلال والتحرك نحو حل سياسي شامل. كما شكل اعتراف دول أوروبية وازنة، مثل إسبانيا والنرويج وإيرلندا، بدولة فلسطين خلال عامي 2024 و2025، ورقة ضغط إضافية على حكومة بنيامين نتنياهو. (الجزيرة)
وفي هذا السياق، يُنظر إلى إعلان كاتس كرسالة تحدٍ لهذه العواصم، مفادها أن إسرائيل لن تقبل بأي معادلة تقيد يدها الطولى في غزة، وأن “الأمن أولاً” هو القاعدة الوحيدة، وأن الانسحاب ليس مطروحاً للتفاوض.
واشنطن: ضبابية الموقف بين الرفض العلني والدعم الضمني
من جانبها، تجد الولايات المتحدة نفسها في موقف معقد؛ فبينما أبدت واشنطن، الحليف الاستراتيجي لتل أبيب، تحفظات علنية متكررة على أي “احتلال دائم” أو “تقليص لمساحة غزة”، محذرة من تبعات ذلك على عزلة إسرائيل وفرص الحل السياسي، إلا أن الواقع يشير إلى مسار مغاير. (الأناضول)
ويلفت محللون إلى أن عمق الشراكة الأمنية، وتواصل تدفق الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي، يجعل من الصعب فصل واشنطن عن الوقائع التي تفرضها إسرائيل، بما في ذلك سيناريو “المنطقة العازلة” والبقاء العسكري المفتوح.
وتحاول الإدارة الأمريكية إدارة توازن دقيق بين ترميم صورتها أمام رأي عام عالمي ومحلي ناقم، وبين الحفاظ على تحالفها مع إسرائيل، وسط تصاعد الأصوات داخل الكونغرس والشارع الأمريكي المطالبة بربط المساعدات باحترام القانون الدولي.
واقع كارثي ومستقبل غامض
ميدانياً، يرزح سكان غزة تحت وطأة دمار شامل طال البنية التحتية والمنازل، وسط أزمة نزوح غير مسبوقة ونقص حاد في مقومات الحياة من غذاء وماء ودواء. ويفاقم الوضعَ تعثرُ عمليات إعادة الإعمار، والقيود الصارمة على المعابر، وتعقيدات التمويل الدولي.
إن فرض “منطقة أمنية عازلة” سيعيد رسم جغرافية الحياة في غزة، مهدداً بابتلاع أراضٍ زراعية ومناطق صناعية، وعرقلة عودة مئات الآلاف من النازحين. وفيما تصر إسرائيل على شرعية إجراءاتها كتدابير “دفاعية”، يؤكد خبراء القانون الدولي أن أي اقتطاع للأراضي بالقوة يعد انتهاكاً جسيماً لاتفاقيات جنيف.
حسابات الداخل الإسرائيلي: الهروب إلى الأمام
على الصعيد الداخلي، يواجه نتنياهو ضغوطاً متصاعدة من عائلات الأسرى والمعارضة، الذين يتساءلون عن جدوى حرب طويلة بلا أفق، وعن غياب استراتيجية واضحة لـ”اليوم التالي”.
وقد كشفت استطلاعات الرأي الأخيرة أن قطاعاً واسعاً من الجمهور الإسرائيلي يشكك في تحقيق “نصر حاسم”، رغم الخطاب الرسمي المتفائل. (عرب 48)
وعليه، يمكن قراءة تصريحات كاتس كمحاولة لمخاطبة القاعدة اليمينية، وتسويق “صورة نصر” لترميم الشرعية الداخلية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول الأثمان السياسية والأخلاقية التي تدفعها إسرائيل.
وتبقى المفارقة قائمة بين إعلان “الانتصار” وبين واقع غزة المتفجر؛ فمع غياب الاستقرار والفراغ الأمني، تظل أي ترتيبات أحادية الجانب هشة وقابلة للانهيار. وبينما تضغط الدول العربية والعالمية نحو حل سياسي يضمن حقوق الفلسطينيين وينهي دوامة العنف، يطرح المشهد الراهن تساؤلاً جوهرياً: هل نحن أمام تكريس لواقع احتلالي جديد وطويل الأمد، أم أن ضغوط الميدان والسياسة ستفرض مساراً مغايراً؟
