- وزير الدفاع السعودي يضع «الانتقالي» أمام خيار وحيد: إخلاء المعسكرات وتسليمها لقوات الشرعية
- الرياض تؤكد عدالة «القضية الجنوبية» كمسار سياسي وترفض فرضها كأمر واقع بقوة السلاح
- تحركات لضبط إيقاع التحالف وحماية «الشرق اليمني» من صراعات النفوذ الجانبية
في تطور لافت يُعيد رسم خطوط الاشتباك السياسي والعسكري في المشهد اليمني، وجهت المملكة العربية السعودية، اليوم، رسالة حازمة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، تطالبه فيها بضرورة الامتثال الفوري للترتيبات العسكرية، وسحب قواته من المعسكرات في المحافظات الشرقية، وتسليم زمام الأمور لقوات «درع الوطن» التابعة لمجلس القيادة الرئاسي.
وجاء هذا الموقف الصريح على لسان وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، ليضع حداً لحالة الضبابية التي غلفت المشهد في محافظة حضرموت مؤخراً، مؤكداً أن المملكة تنظر إلى «القضية الجنوبية» بوصفها ملفاً سياسياً عادلاً يستوجب الحل عبر الحوار والتوافق، لا عبر القفز على التفاهمات أو فرض المعادلات العسكرية على الأرض.
وفي تصريحات نقلتها قناة «العربية» وحسابه الرسمي، أشار الأمير خالد بن سلمان إلى أن اللحظة الراهنة تستدعي «تغليب لغة العقل والالتزام بما تم الاتفاق عليه، وإخراج القوات من المعسكرات وتسليمها لدرع الوطن»، في إشارة مباشرة إلى التحركات الأخيرة للمجلس الانتقالي في حضرموت، التي تعتبرها الرياض خطاً أحمر يمس أمنها الاستراتيجي.
«إن الحلول المستدامة تأتي بالتوافق لا بالمغامرات، والقضية الجنوبية تظل قضية سياسية عادلة، لكن حلها لا يكون بالسلاح».
حضرموت.. بؤرة التجاذب الاستراتيجي
لا يمكن قراءة التصريح السعودي بمعزل عن سياق الغليان الذي تشهده محافظة حضرموت، كبرى محافظات اليمن ومخزونها النفطي والاستراتيجي. فالمحافظة التي تشترك بحدود طويلة مع المملكة وتطل على بحر العرب، تحولت في الأشهر الأخيرة إلى ساحة لتنافس النفوذ، حيث سعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى توسيع رقعة سيطرته العسكرية عبر نشر قوات موالية له في مواقع حيوية، وهو ما قوبل برفض حكومي وقلق سعودي متزايد.
وتخشى الرياض من أن يؤدي أي تغيير أحادي في ميزان القوى داخل حضرموت إلى إرباك المشهد العسكري العام، وخلق «كانتونات» مسلحة قد تعيق عمل الحكومة الشرعية، وتفتح الباب أمام صراعات جانبية (جنوبية – جنوبية) تستنزف الجهد العسكري الموجه أساساً ضد جماعة الحوثي.
«درع الوطن»: ذراع الشرعية لإعادة التوازن
تعكس الدعوة السعودية الصريحة لتسليم المعسكرات لقوات «درع الوطن» رغبة الرياض في إعادة هندسة المسرح العسكري في الجنوب وفق رؤية تضمن وحدة القرار. فـ«درع الوطن»، التي أُنشئت بدعم وإشراف سعودي، تُمثل قوة احتياط استراتيجي تابعة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي مباشرة، وتهدف إلى كبح جماح الفصائل المتعددة وتوحيد البندقية تحت مظلة الدولة.
ويرى مراقبون أن تسليم المواقع لهذه القوات يمثل، في المنظور السعودي، «صمام أمان» لمنع تحول المعسكرات إلى أدوات ضغط سياسي بيد طرف محلي، وضمان بقاء حضرموت خارج دائرة الاستقطابات الحادة التي قد تعصف باستقرار المناطق المحررة.
وكانت مصادر سعودية قد لوحت في وقت سابق بأن المملكة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تحركات تهدد الأمن والسلم الأهلي في المناطق الشرقية، مؤكدة استعدادها لاستخدام أدوات الضغط اللازمة لفرط أي معادلات عسكرية لا تحظى بالتوافق.
بين الحق السياسي والمغامرة العسكرية
ما يميز الخطاب السعودي الجديد هو الموازنة الدقيقة بين «العصا والجزرة». فبينما يظهر الأمير خالد بن سلمان حزماً عسكرياً، فإنه يقدم في الوقت ذاته اعترافاً سياسياً وازناً بـ«القضية الجنوبية». هذا الاعتراف يحمل في طياته رسالة مزدوجة: إقرار بمظالم الجنوب وحقه في تسوية سياسية منصفة، ورفض قاطع لاستخدام هذه القضية كذريعة لتقويض مؤسسات الدولة أو فرض الانفصال كأمر واقع قبل أوانه.
وتشير المعلومات الدبلوماسية إلى أن الرياض تدفع باتجاه نموذج حكم يضمن للجنوبيين إدارة شؤونهم ومواردهم ضمن إطار الدولة، ربما عبر صيغة فيدرالية أو لا مركزية موسعة، لكنها ترفض أي خطوات تفكيكية قد تؤدي إلى “لبننة” اليمن أو تحويله إلى دويلات متناحرة.
تماسك التحالف في مواجهة الاستحقاقات الكبرى
يلقي هذا التوتر بظلاله على تماسك الجبهة المناهضة للحوثيين، في وقت تبدو فيه الحاجة ماسة لتوحيد الصفوف استعداداً لأي استحقاقات سياسية أو عسكرية قادمة. ويشير محللون إلى أن التباين في الرؤى بين مكونات التحالف والشرعية حول مستقبل الجنوب قد يمنح الحوثيين هدية مجانية، سواء عبر استغلال الثغرات الأمنية أو عبر تعزيز موقفهم التفاوضي أمام حكومة شرعية تتنازعها الخلافات الداخلية.
فانشغال المكونات العسكرية في حضرموت وشبوة بمعارك النفوذ الجانبية، يخصم بالضرورة من رصيد الردع في الجبهات الشمالية، ويهدد بانهيار التفاهمات الهشة التي يقوم عليها مجلس القيادة الرئاسي.
الاقتصاد والمواطن.. الضحية الأولى
وبعيداً عن الحسابات السياسية، يظل المواطن اليمني هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فحضرموت ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي الشريان الاقتصادي الذي يمد الحكومة بعائدات النفط الشحيحة أصلاً. وأي اضطراب أمني في هذه المحافظة يهدد بوقف الصادرات، وتجفيف منابع تمويل الرواتب والخدمات، مما ينذر بكارثة إنسانية واقتصادية تتجاوز حدود المحافظة لتشمل كل اليمن.
سيناريوهات المستقبل
اليوم، وبعد أن وضعت السعودية النقاط على الحروف، تتجه الأنظار إلى رد فعل المجلس الانتقالي الجنوبي. فهل سيستجيب للضغوط السعودية ويسلم مواقعه لـ«درع الوطن» حفاظاً على موقعه ضمن الشراكة السياسية؟ أم سيختار التصعيد والمضي في مشروعه الخاص، مما قد يضع الشرق اليمني أمام سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات؟
الأيام القادمة ستكون كفيلة بالكشف عما إذا كانت الجهود الدبلوماسية ستنجح في نزع فتيل الأزمة، أم أن حضرموت ستتحول إلى فصل جديد ودامٍ في المأساة اليمنية المستمرة.
