انفجار دموي يضرب مسجداً في حمص ويحصد أرواح مصلين وسط مخاوف من عودة العنف الطائفي
هزّ انفجار عنيف مدينة حمص وسط سوريا، اليوم الجمعة 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، مستهدفاً مسجد “الإمام علي بن أبي طالب” في حي وادي الذهب ذي الغالبية العلوية، ما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 18 آخرين بجروح متفاوتة، في هجوم دموي يعيد إلى الأذهان مشاهد السنوات الأكثر قتامة في الحرب السورية، ويضرب “الخاصرة الرخوة” لمرحلة الانتقال السياسي الحساسة التي تعيشها البلاد منذ سقوط النظام السابق.
ووقع التفجير في توقيت مدروس، تزامناً مع أداء صلاة الجمعة، حيث تكون المساجد في ذروة اكتظاظها بالمصلين، مما يفسّر ارتفاع عدد الضحايا في الحي الذي طالما اعتبر خزانًا بشريًا وعسكريًا خلال العقد الماضي.
تضارب في الحصيلة ومشاهد دمار
شهدت الساعات الأولى التي تلت الانفجار تضارباً في الأرقام الرسمية والإعلامية؛ ففي حين نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) تقارير أولية عن سقوط ثلاثة قتلى وخمسة جرحى، رفعت وزارة الصحة السورية الحصيلة لاحقاً إلى خمسة قتلى و21 مصاباً. إلا أن تقاطعات وكالات الأنباء الدولية والمصادر الطبية استقرت أخيراً عند ثمانية قتلى و18 جريحاً، وعزت المصادر هذا الارتفاع إلى وفاة عدد من المصابين متأثرين بجراحهم البليغة.
وفي هذا السياق، أكد نجيب النعسان، المسؤول في وزارة الصحة السورية، أن الأرقام المعلنة تظل “أولية وقابلة للارتفاع”، نظراً لوجود حالات حرجة استدعت تدخلاً جراحياً عاجلاً في مستشفيات المدينة التي أعلنت حالة الاستنفار.
ووثقت مشاهد بثتها وسائل إعلام محلية آثار الدمار داخل حرم المسجد؛ حيث تلطخت سجادات الصلاة بالدماء، وانتشرت الثقوب في الجدران، وتهشمت النوافذ، فيما هرعت فرق الدفاع المدني والأجهزة الأمنية لانتشال الضحايا وتأمين الموقع. وفي شهادة حية لأحد سكان الحي، نقلت وكالة صحفية قوله:
سمعنا دوي انفجار هائل تبعته حالة من الفوضى والهلع في الحي، لم يجرؤ كثيرون على مغادرة منازلهم في الدقائق الأولى خوفاً من انفجارات تالية، المشهد كان مروعاً ويعيدنا سنوات إلى الوراء.
خرق أمني في “المربع المحصن”
يحمل موقع الهجوم دلالات أمنية وسياسية بالغة الخطورة؛ إذ يقع مسجد الإمام علي بن أبي طالب في شارع الخضري بحي وادي الذهب جنوبي حمص، وهو منطقة ذات رمزية خاصة وغالبية علوية، كانت تُعد من أكثر المناطق تحصيناً وتوتراً خلال سنوات الحرب.
وأشارت مصادر أمنية متطابقة إلى أن التحقيقات الأولية ترجح فرضية تفجير عبوات ناسفة زُرعت بإحكام داخل المسجد، بينما لم تحسم الأجهزة المختصة بعد ما إذا كان الهجوم قد تضمن انتحارياً يرتدي حزاماً ناسفاً، وسط غموض يلف كيفية اختراق الطوق الأمني وإدخال المتفجرات إلى هذا الموقع الحساس.
دمشق تتوعد: “محاولة بائسة لزعزعة الاستقرار”
على المستوى الرسمي، وصفت وزارة الداخلية السورية الحادث بـ”التفجير الإرهابي”، معلنة فرض طوق أمني مشدد حول مكان الحادث وبدء تحقيقات موسعة. ومن جهتها، اعتبرت وزارة الخارجية أن الهجوم يمثل “محاولة يائسة ومكشوفة لزعزعة استقرار البلاد ونشر الفوضى بين مكونات الشعب السوري”، متوعدة في بيان رسمي بملاحقة الجناة ومحاسبتهم.
ويضع هذا الهجوم الحكومة الانتقالية الجديدة برئاسة أحمد الشرع أمام اختبار أمني صعب، إذ تواجه السلطات تحديات متراكمة منذ توليها الحكم عقب إطاحة نظام الأسد، تتمثل في نشاط خلايا نائمة لتنظيم “داعش”، وتوترات أهلية مكتومة، ومحاولات أطراف عدة خلط الأوراق في الساحة السورية.
فراغ في المسؤولية ومخاوف من الفتنة
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها المباشرة عن العملية. غير أن التصريحات الرسمية لمحت إلى تورط ما أسمته “فلول النظام السابق” أو “خلايا تنظيم داعش”، متهمة هذه الأطراف بالسعي لضرب السلم الأهلي.
وتتزامن هذه التطورات مع تقارير استخباراتية غربية رصدت مؤخراً تصاعداً ملحوظاً في نشاط تنظيم “داعش” في البادية السورية وريف حمص، مستغلاً الفراغ الأمني في بعض المناطق.
ويرى مراقبون أن خطورة هذا التفجير لا تكمن فقط في حصيلته البشرية، بل في بعده الطائفي؛ فمدينة حمص، التي تعيش حالة من “التعايش الهش” بين أحيائها السنية والعلوية والمسيحية، قد تكون عرضة لانزلاق جديد نحو العنف الانتقامي، خاصة أن الطائفة العلوية تعرضت لهجمات سابقة غذّت شعوراً بالاستهداف الوجودي لديها.
إدانة عربية وتحذيرات إقليمية
لم يتأخر رد الفعل العربي، حيث سارعت عواصم المنطقة لإدانة الهجوم. وأصدرت المملكة العربية السعودية بياناً أعربت فيه عن إدانتها واستنكارها الشديدين لـ”التفجير الإرهابي”، مؤكدة موقفها الرافض لاستهداف دور العبادة وترويع الآمنين. وتوالت المواقف المماثلة من قطر والأردن ولبنان، في إجماع يعكس قلقاً إقليمياً من أن تؤدي عودة العنف إلى سوريا إلى تداعيات تمس أمن دول الجوار.
وتبقى الأسئلة مفتوحة في الشارع السوري حول قدرة الأجهزة الأمنية في العهد الجديد على كشف ملابسات هذا الاختراق الكبير، ومنع تحول هذا التفجير إلى شرارة تشعل حريقاً طائفياً كان السوريون يأملون أنهم تجاوزوه.
