شهدت محافظة حضرموت الغنية بالنفط (جنوب شرقي اليمن)، تطوراً عسكرياً لافتاً، اليوم الجمعة 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، تمثل في شن طائرات حربية سعودية غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، وذلك وفقاً لما كشفه مسؤول أمني محلي لوكالة أنباء «شينخوا» الصينية.
وأفاد المسؤول الأمني، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، بأن الضربات كانت مركزة ومباشرة، قائلاً:
«شنت المقاتلات عدة غارات جوية استهدفت مواقع لوحدات “النخبة الحضرمية” التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي»
ولم يقدم المصدر تفاصيل فورية حول حجم الخسائر البشرية أو الأضرار المادية الناجمة عن القصف. وأشار تقرير الوكالة إلى أن الغارات طالت مناطق تخضع لسيطرة قوات الانتقالي، وسط تصاعد حدة التوتر الأمني والعسكري في المحافظة، وفي ظل صمت رسمي مطبق حتى اللحظة من قبل الرياض، وقيادة المجلس الانتقالي، والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
- مصادر أمنية تؤكد استهداف وحدات «النخبة الحضرمية» بغارات سعودية مباشرة.
- الضربات تأتي بعد سيطرة الانتقالي على منشآت نفطية حيوية في المحافظة.
- مخاوف من تصدع التحالف المناهض للحوثيين وانزلاق الجنوب نحو صراع داخلي.
غارات في أعقاب تمدد «الانتقالي»
تأتي هذه الضربات الجوية بعد أسابيع قليلة من تحقيق قوات المجلس الانتقالي الجنوبي تقدماً ميدانياً واسعاً في جنوب اليمن، تمكنت خلاله من بسط سيطرتها على أجزاء كبيرة من محافظة حضرموت، شملت مناطق استراتيجية تضم منشآت نفطية حيوية.
ووفقاً لمصادر محلية وإقليمية متطابقة، تركزت الغارات السعودية على تمركزات لوحدات «النخبة الحضرمية» في مديرية “غيل بن يمين”، وهي إحدى المناطق المتاخمة لقطاعات إنتاج ونقل النفط الرئيسية في المحافظة.
ويشكل هذا الاستهداف المباشر لوحدات عسكرية محسوبة على المجلس الانتقالي سابقة خطيرة في مسار الحرب اليمنية، نظراً لكون المجلس ظل لسنوات ركناً أساسياً في المعسكر المناهض لجماعة الحوثي، بدعم سياسي وعسكري من الإمارات، وغطاء جوي من التحالف الذي تقوده السعودية.
تحوّل في موازين التحالفات
ويرى مراقبون للشأن اليمني أن هذه الغارات تؤشر إلى تحول عميق في توازنات القوى داخل “تحالف الشرعية”، وذلك بعد نجاح المجلس الانتقالي في توسيع نفوذه ليشمل معظم مناطق الجنوب، بما فيها المناطق ذات الثقل الاقتصادي والنفطي كحضرموت.
فعلى مدى السنوات الماضية، أدارت السعودية والإمارات ملف الحرب ضمن إطار تحالف عسكري واحد، غير أن تباين الأجندات في المحافظات الجنوبية، لاسيما حول السيطرة على الموانئ والحقول النفطية، أظهر تدريجياً تصدعاً في المصالح بين الشريكين الخليجيين.
وتنظر أطراف يمنية وإقليمية إلى سيطرة قوات الانتقالي على مواقع نفطية ومنشآت سيادية في حضرموت بوصفها تقويضاً للنفوذ السعودي المباشر، وتهديداً لامتلاك الرياض أوراق ضغط كافية للتأثير في مسار أي تسوية سياسية شاملة للأزمة اليمنية مستقبلاً.
حضرموت.. عقدة النفط والنفوذ
تكتسب محافظة حضرموت أهمية جيوسياسية مضاعفة؛ فهي كبرى محافظات اليمن مساحة، وتحوي النسبة الأكبر من الاحتياطات النفطية المؤكدة، فضلاً عن موقعها الجغرافي الممتد على شريط ساحلي طويل على بحر العرب، وحدود برية مع سلطنة عمان.
وتعني السيطرة الميدانية على مناطق الإنتاج والتصدير في حضرموت، عملياً، امتلاك ورقة ضغط اقتصادية وسياسية حاسمة في أي مفاوضات، سواء بصيغة الدولة الموحدة، أو في حال الذهاب إلى ترتيبات فيدرالية، أو حتى سيناريوهات انفصال الجنوب.
لذا، يقرأ محللون التدخل الجوي السعودي كرسالة تتجاوز البعد التكتيكي، تهدف إلى إعادة ضبط ميزان القوى، ومنع تحول حضرموت إلى قاعدة اقتصادية وعسكرية صلبة بيد المجلس الانتقالي وحلفائه الإقليميين.
صمت رسمي وسيناريوهات مفتوحة
حتى مساء الجمعة، لم تعلن وزارة الدفاع السعودية رسمياً مسؤوليتها عن الغارات، كما لم يصدر أي تعليق من قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي أو الحكومة اليمنية، التي تراجع نفوذها الميداني بشكل حاد في الجنوب لصالح قوات الانتقالي.
ويغذي هذا الصمت المتبادل التكهنات بوجود قنوات اتصال خلفية لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة ومفتوحة بين أطراف يفترض أنها تقف في خندق واحد ضد الحوثيين.
في المقابل، يثير غياب المعلومات الرسمية عن حجم الخسائر مخاوف من تداعيات محتملة على المدنيين، لا سيما أن بعض المواقع العسكرية تقع في محيط مناطق مأهولة، في ظل بنية تحتية هشة وغياب شبه تام لأنظمة الإنذار المبكر.
مخاطر على الجبهة المناهضة للحوثيين
يتخوف مراقبون من أن يؤدي التوتر العسكري بين السعودية والمجلس الانتقالي إلى إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين الذين يسيطرون على العاصمة صنعاء وشمال البلاد. فانشغال الرياض وأبوظبي، ومعهما القوى الجنوبية، بصراع نفوذ في حضرموت، قد يمنح الحوثيين هامش مناورة عسكرياً وسياسياً لتعزيز مواقعهم أو التمدد في جبهات أخرى أقل تحصيناً.
كما يهدد تفجر صراع بيني في الجنوب بتقويض الجهود التي قادتها الأمم المتحدة لتهيئة أجواء تسوية سياسية شاملة، والتي تعتمد في جوهرها على تفاهمات القوى الإقليمية الرئيسية بوصفها مفاتيح الحل والضغط على الوكلاء المحليين.
تداعيات إنسانية واقتصادية
أي اضطراب أمني جديد في حضرموت، حيث عصب الصناعة النفطية اليمنية، قد ينعكس سلباً على عمليات الإنتاج والتصدير، في وقت تعيش فيه أسواق الطاقة العالمية حالة من التوتر وعدم اليقين.
إنسانياً، يحمل التصعيد في المحافظة التي ظلت ملاذاً آمناً نسبياً طوال سنوات الحرب، مخاطر كبيرة قد تدفع بموجات نزوح جديدة وتعيق وصول المساعدات، في بلد يصنف بأنه يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وفي ظل تعدد التشكيلات المسلحة، ما بين وحدات موالية للانتقالي، وأخرى تابعة للحكومة الشرعية، وقوات قبلية، يُخشى أن تتحول حضرموت إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة إذا لم يتم حسم قواعد الاشتباك والنفوذ سريعاً.
رسالة تحذير أم مرحلة جديدة؟
في المحصلة، قد تُقرأ الغارات السعودية على أنها بداية مرحلة جديدة من الصراع داخل المعسكر الواحد، أو مجرد “ضربة تحذيرية” تهدف لترسيم خطوط حمراء أمام تمدد الانتقالي. ووسط غياب الرواية الرسمية، وتشابك الحسابات حول ثروة حضرموت، يبقى السؤال: هل تتجه الأطراف نحو تسوية تعيد التوازن للجنوب، أم أن اليمن مقبل على فصل جديد من الصراع بين حلفاء الأمس؟
