السعودية تُدين تحرّكات «الانتقالي» في حضرموت والمهرة: تصعيد غير مبرر يهدد وحدة الصف
- الرياض تعتبر التقدّم العسكري في المحافظتين الشرقيتين «قفزة في المجهول» تفتقر للتنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي
- تحذيرات سعودية من خطورة تعميق الانقسامات داخل معسكر الشرعية وتهديد استقرار مناطق الثروة والحدود
في تطور يعكس حدة التباينات داخل مكونات معسكر الشرعية اليمنية، خرجت المملكة العربية السعودية بموقف حازم وصريح، مُدينةً التحركات العسكرية الأحادية التي نفّذتها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة الاستراتيجيتين. واعتبرت الرياض أن هذه التحركات، التي جرت بمعزل عن التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي أو قيادة التحالف العربي، تمثل تهديداً مباشراً للمصالح اليمنية وتقويضاً لجهود توحيد الصف في مواجهة جماعة الحوثي.
ووصفت السعودية التوغل العسكري لقوات الانتقالي بأنه «تصعيد غير مبرَّر»، مشيرة في رسالة نادرة الوضوح إلى رفضها لسياسة فرض الأمر الواقع، ومحذرة من أن تجاوز المؤسسات الشرعية لا يخدم سوى إضعاف الجبهة الداخلية.
«القضية الجنوبية لا يمكن حسمها عبر خطوات منفردة أو مغامرات عسكرية على الأرض، بل مكانها الطبيعي هو طاولة الحوار اليمني الجامع، وضمن تسوية سياسية شاملة تضمن حقوق الجميع».
تمدد ميداني يثير حفيظة الرياض
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن قوات المجلس الانتقالي بدأت منذ الثالث من ديسمبر (كانون الأول) تحركاً عسكرياً متسارعاً للسيطرة على مناطق في وادي حضرموت، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات مع قوات المنطقة العسكرية الأولى الموالية للحكومة ومجاميع من قبائل حضرموت. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد النفوذ العسكري للانتقالي بحلول السابع من الشهر ذاته ليشمل أجزاء من محافظة المهرة، الواقعة في أقصى الشرق اليمني، والمتاخمة للحدود السعودية وسلطنة عمان.
هذا التقدم في محافظتين ظلتا تاريخياً بعيدتين عن الصراع المباشر وشكّلتا عمقاً استراتيجياً وخزاناً للطاقة، أثار قلق الرياض العميق؛ إذ رأت فيه تشتيتاً للجهود العسكرية، وتهديداً لبيئة أمنية حيوية ترتبط بإمدادات الطاقة وأمن الخليج، فضلاً عن كونه يفتح باباً لصراعات جانبية تستنزف التحالف.
احتواء الموقف: لجنة مشتركة وانسحاب مشروط
وفي مسعى عاجل لتطويق الأزمة، كشفت مصادر مطلعة أن السعودية، وبالتنسيق مع دولة الإمارات العربية المتحدة، دفعت بفريق عسكري مشترك إلى العاصمة المؤقتة عدن. وتهدف هذه الخطوة إلى فرض التهدئة والتوصل إلى اتفاق يُلزم قوات المجلس الانتقالي بالانسحاب الفوري إلى مواقعها السابقة.
وتقضي الترتيبات المقترحة بتسليم المواقع والمعسكرات التي سيطر عليها «الانتقالي» مؤخراً إلى قوات «درع الوطن»، التابعة مباشرة لمجلس القيادة الرئاسي، إضافة إلى السلطات المحلية، وذلك لضمان عودة مؤسسات الدولة لممارسة مهامها، وتجنب أي فراغ أمني قد يستغله الحوثيون.
ورغم التحركات الدبلوماسية، فإن حدة اللهجة السعودية تشي بأن آليات التنسيق التقليدية داخل التحالف قد واجهت اختباراً صعباً، وأن الرياض أرادت توجيه رسالة تتجاوز المجلس الانتقالي لتصل إلى كافة الأطراف المنضوية تحت مظلة الشرعية، مفادها أن «القفز فوق التوافقات» خط أحمر.
تصدعات في جدار «الشرعية»
ويُعيد الموقف السعودي الأخير تسليط الضوء على التباينات في الرؤى حول إدارة الملف الجنوبي ومستقبل الدولة اليمنية. فبينما يواصل المجلس الانتقالي الدفع نحو توسيع نفوذه العسكري والإداري تحت راية «استعادة الدولة الجنوبية» وحق تقرير المصير، تتمسك الرياض في خطابها الرسمي بضرورة الحفاظ على «وحدة اليمن» ومرجعيات الحل السياسي، مؤكدة أن أي شكل مستقبلي للدولة يجب أن يكون نتاج حوار وطني وليس فرضاً بالقوة.
وترى الرياض أن استمرار أي فصيل في توسيع نفوذه خارج إطار مجلس القيادة الرئاسي، الذي شُكّل في أبريل 2022 ليكون مظلة جامعة، من شأنه أن يُفرغ هذا المجلس من مضمونه، ويضعف موقفه التفاوضي والعسكري أمام الحوثيين.
حضرموت والمهرة.. معادلة الطاقة والأمن القومي
ولا يمكن قراءة الغضب السعودي بمعزل عن الأهمية الجيوسياسية لمسرح العمليات؛ فحضرموت تمثل الرئة الاقتصادية لليمن بما تملكه من ثروات نفطية وغازية وموانئ على بحر العرب، في حين تُعد المهرة البوابة الشرقية الحساسة وممراً رئيسياً للتجارة، ما يجعل أي خلل أمني فيهما ذا ارتدادات إقليمية ودولية.
ومن هذا المنظور، يقرأ مراقبون الموقف السعودي الصارم باعتباره تأكيداً على أن الرياض لن تسمح بتحويل مناطق عمقها الأمني والحيوي إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية أو إعادة رسم الخرائط بالنار.
الغموض سيد الموقف
وحتى اللحظة، يلف الغموض ردود الفعل الرسمية من الأطراف الأخرى؛ إذ لم يصدر تعليق تفصيلي من المجلس الانتقالي أو مجلس القيادة الرئاسي يوضح ملابسات ما جرى، كما غابت التوضيحات الرسمية من الجانب الإماراتي حول طبيعة الموقف من هذه التحركات.
هذا الصمت الرسمي يفتح الباب واسعاً للتكهنات حول ما إذا كانت هذه التحركات مناورة لتحسين شروط التفاوض، أم أنها تعبير عن أجندات متباينة قد تعيد تشكيل المشهد اليمني برمته. ويبقى السؤال المعلق: هل تنجح الضغوط السعودية في إعادة «المارد إلى القمقم» وتثبيت الوضع القائم، أم أن شرارة حضرموت والمهرة ستكون بداية لفصل جديد من التشظي يضع وحدة التحالف والشرعية على المحك؟
