عادت أجواء التصعيد لتخيم بقوة على المشهد الميداني في لبنان، إثر شن الطائرات الحربية الإسرائيلية، ليل الأربعاء وفجر الخميس، سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع في جنوب البلاد وشرقها، طالت محيط مدينة الهرمل في البقاع ومنطقة بصوليا. هذا التطور العسكري يضع تفاهمات التهدئة الهشة، القائمة منذ أكثر من عام، على المحك، وسط تحذيرات من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة مفتوحة.
- مصادر ميدانية: الضربات طالت العمق اللبناني في البقاع والجنوب، مستهدفة نقاطاً في الهرمل وبصوليا.
- الرواية الإسرائيلية: تل أبيب تعلن ضرب “بنى تحتية” لحزب الله وقوة الرضوان رداً على ما وصفته بـ”خرق التفاهمات”.
- المخاوف: تحذيرات من انهيار “الهدنة غير المكتوبة” وتوسع رقعة النار لتشمل المنطقة.
غارات ليلية في العمق والجنوب
أفادت مصادر لبنانية، نقلت عنها قناة “سكاي نيوز عربية”، بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفذ غارات مركزة على أهداف متعددة جنوبي لبنان، بالتزامن مع استهداف نقاط في العمق اللبناني ضمن محافظة البقاع. وتأتي هذه الضربات في وقت أكد فيه الجيش الإسرائيلي تنفيذه عمليات جوية واسعة ضد ما أسماه “بنية تحتية عسكرية تابعة لحزب الله”.
ووفقاً للمعلومات المتداولة، تركز القصف على مواقع يُعتقد أنها تُستخدم لتخزين العتاد أو لتدريب عناصر الحزب، بما في ذلك مجمعات تدريب منسوبة لـ”قوة الرضوان” ومخازن أسلحة تقع في مناطق جبلية وأطراف بلدات بعيدة عن الكثافة السكانية، في محاولة إسرائيلية واضحة لـ”تحييد قدرات الحزب العملياتية” وإبعاد خطره عن الحدود الشمالية.
تبريرات تل أبيب: “الردع” و”حماية الحدود”
في تبريره للتصعيد الأخير، ربط الجيش الإسرائيلي هذه الهجمات بما وصفه بـ”الانتهاكات المتكررة لتفاهمات وقف إطلاق النار” من الجانب اللبناني. واتهمت تل أبيب حزب الله بمواصلة نشاطه العسكري، وإعادة بناء قدراته الهجومية، وتنفيذ استفزازات قرب الشريط الحدودي.
وفي هذا السياق، صرح متحدث عسكري إسرائيلي قائلاً:
“لن تسمح قواتنا بتحويل الحدود الشمالية إلى منصة تهديد مستمر ضد المدنيين الإسرائيليين. الجيش سيواصل استهداف أي بنية تحتية أو عناصر ضالعة في خرق التفاهمات الأمنية، ولن نتردد في العمل لإحباط أي تهديد.”
دماء في الجنوب وظل “فيلق القدس”
تتقاطع الموجة الحالية من الغارات مع توترات سابقة، حيث أشارت تقارير إلى مقتل ثلاثة أشخاص في ضربتين منفصلتين استهدفتا جنوب لبنان والشريط الحدودي مع سوريا شمال شرق البلاد، بتاريخ 25 ديسمبر/كانون الأول 2025. وربطت المصادر الإسرائيلية تلك العمليات باستهداف شخصيات يُزعم ارتباطها بـ”فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني.
وتصر إسرائيل على أن عملياتها في العمق اللبناني تندرج ضمن استراتيجية “مواجهة الشبكات الخارجية” لإيران وحلفائها، مدعية أن بنك أهدافها يشمل شخصيات مسؤولة عن “تنسيق العمليات” في الإقليم. في المقابل، يلف الغموض الجانب اللبناني، حيث لم تصدر حتى اللحظة بيانات رسمية تفصيلية تحدد هوية الضحايا أو حجم الخسائر المادية، وسط غياب الرواية الرسمية الحكومية.
مصير التهدئة ومخاطر الانزلاق
تضع هذه التطورات “تفاهمات التهدئة” غير المكتوبة، التي رعتها أطراف دولية وإقليمية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أمام اختبار عسير. فبينما تسعى تلك التفاهمات لمنع انفجار حرب شاملة، تواصل إسرائيل توجيه ضربات تصفها بـ”الوقائية”، فيما يرد حزب الله بعمليات محدودة يدرجها في خانة “الرد على الاعتداءات”.
هذه المعادلة الدقيقة من “الفعل ورد الفعل” تثير قلقاً متزايداً من احتمال خروج الأمور عن السيطرة، وانهيار قواعد الاشتباك الحالية، ما قد يعيد المناطق الحدودية إلى مربع المواجهة المفتوحة، مع ما يحمله ذلك من تبعات كارثية على المدنيين على جانبي الحدود.
صمت رسمي وتداعيات إقليمية
حتى ساعة إعداد هذا التقرير، لم يصدر عن الجيش اللبناني أو الحكومة أي بيان تفصيلي يوضح طبيعة الأهداف المستهدفة، كما التزمت قوات “اليونيفيل” الصمت إزاء تصنيف هذه الغارات ضمن خروقات القرار 1701. هذا الغياب للمعلومات الرسمية يفتح الباب واسعاً أمام التكهنات، ويعزز حالة القلق بين سكان القرى الحدودية الذين يشهدون تحليقاً مكثفاً للطيران الحربي.
إقليمياً، لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن المشهد العربي العام. فأي تصعيد واسع بين إسرائيل وحزب الله يحمل في طياته نذر أزمة إقليمية، نظراً لتشابك الساحات بين لبنان وسوريا وفلسطين. ويرى مراقبون أن انزلاق الأمور نحو الحرب قد يؤدي لموجات نزوح جديدة، ويفرض تحديات أمنية ودبلوماسية معقدة على العواصم العربية التي تسعى منذ سنوات لتجنب انفجار الجبهة الشمالية.
ويبقى السؤال العالق في ظل هذه المعطيات المتشابكة وشح المعلومات الدقيقة: هل تنجح الدبلوماسية الدولية في لجم التصعيد وترميم التهدئة المتصدعة، أم أن الغارات الأخيرة تؤسس لمرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز في مداها قواعد الاشتباك التقليدية؟
