بند مثير للجدل يخص غزة.. خفايا الاتفاق المفاجئ بين إسرائيل و«أرض الصومال»

Koooorawabas فريق
By
Koooorawabas فريق
فريق كورة وبس هو فريق من الصحفيين والمحررين ذوي الخبرة، عمل أعضاؤه مع العديد من الصحف والمنصات الإعلامية المعروفة في مختلف أنحاء الوطن العربي. ويقدّم فريق...
8 Min Read

في سابقة تاريخية.. إسرائيل تعترف بـ«أرض الصومال» دولة مستقلة في خطوة تعيد رسم خرائط النفوذ بالقرن الأفريقي

  • تل أبيب تدشن أول اعتراف رسمي دولي بالإقليم المنفصل عن الصومال منذ ثلاثة عقود
  • اتفاق على تبادل السفراء وتعاون أمني واقتصادي يثير مخاوف عربية وأفريقية
  • محللون: الخطوة تمنح إسرائيل موطئ قدم استراتيجي على مدخل البحر الأحمر وباب المندب

فيينا – لندن – تل أبيب – هرجيسا
26 ديسمبر (كانون الأول) 2025

في تحول جيوسياسي لافت من شأنه أن يلقي بظلاله الكثيفة على معادلات الأمن في القرن الأفريقي، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الجمعة، اعتراف إسرائيل رسمياً بجمهورية «أرض الصومال» (صومالي لاند) بوصفها «دولة مستقلة وذات سيادة». وبهذا القرار، تصبح تل أبيب أول عاصمة في العالم تضفي الشرعية الدولية على الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال من جانب واحد قبل أكثر من 30 عاماً.

وفي بيان متلفز، وصف نتنياهو الخطوة بأنها تدشين لمرحلة جديدة، مشيراً إلى أن الاعتراف جاء تتويجاً لـ«إعلان مشترك» صيغ بروح «اتفاقات أبراهام»، وعقب توقيع وثيقة متبادلة بينه وبين وزير الخارجية جدعون ساعر، ورئيس جمهورية أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي:

«إنها لحظة تاريخية فارقة؛ إسرائيل تقف اليوم جنباً إلى جنب مع شعب أرض الصومال، مؤكدة حقه المشروع في الاستقلال وممارسة سيادته الوطنية».

علاقات دبلوماسية كاملة وتحالف ناشئ

واستناداً إلى الإعلان المشترك، اتفقت تل أبيب وهرجيسا على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وفورية، تتضمن تبادل السفراء وافتتاح سفارة إسرائيلية في العاصمة هرجيسا، مقابل فتح سفارة لأرض الصومال في تل أبيب، بحسب ما أكده وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر.

وكشف ساعر عن كواليس الاتفاق، موضحاً أنه «ثمرة عام كامل من الحوار الأمني والسياسي المكثف»، لافتاً إلى أن التوجيهات صدرت لوزارته بـ«التحرك الفوري لمأسسة العلاقات الثنائية، والتركيز على قطاعات الزراعة، والصحة، والتكنولوجيا، والاقتصاد، بما يخدم الاستقرار الإقليمي».

من جانبه، رحب رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله، بالقرار الإسرائيلي، عادّاً إياه اختراقاً كبيراً في جدار العزلة الدولية.

وقال الرئيس عبد الله:

«هذا الاعتراف يفتح صفحة جديدة في تاريخ بلادنا، ويقربنا خطوات واسعة نحو حلمنا القديم بنيل العضوية الدولية الكاملة. نؤكد أن أرض الصومال ستكون شريكاً فاعلاً وموثوقاً في تأمين البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي».

كيان مستقر «بلا اعتراف» منذ 1991

تتمتع جمهورية أرض الصومال، الواقعة في شمال غربي الصومال، بخصوصية تاريخية؛ إذ كانت محمية بريطانية نالت استقلالها عام 1960 واعترفت بها حينها 35 دولة -بينها إسرائيل- قبل أن تختار الوحدة الطوعية مع الشطر الجنوبي (الإيطالي سابقاً) لتشكيل الجمهورية الصومالية.

وعقب انهيار الدولة المركزية في مقديشو عام 1991 واندلاع الحرب الأهلية، أعلن الإقليم فك الارتباط واستعادة استقلاله تحت مسمى «جمهورية أرض الصومال». وطوال العقود الثلاثة الماضية، نجح الإقليم في بناء مؤسسات دولة، بما في ذلك حكومة وبرلمان وجيش وعملة وطنية، محافظاً على استقرار أمني ملحوظ مقارنة باضطرابات الجنوب، إلا أنه ظل يفتقر إلى الاعتراف الدولي حتى الخطوة الإسرائيلية اليوم.

وقد منح هذا الوضع الإقليم صفة الدولة «بحكم الأمر الواقع» (De Facto)، حيث يقيم علاقات قنصلية وتجارية محدودة مع دول مثل إثيوبيا والإمارات وتايوان، لكنه بقي خارج منظومة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي اللذين يتمسكان بوحدة التراب الصومالي.

أبعاد استراتيجية: صراع النفوذ في البحر الأحمر

يأتي الاعتراف الإسرائيلي في توقيت بالغ الحساسية، وسط احتدام التنافس الدولي في منطقة القرن الأفريقي. وتنظر القوى الكبرى والإقليمية باهتمام بالغ إلى الموقع الجيوسياسي لأرض الصومال، المشرف على خليج عدن وبالقرب من مضيق باب المندب، الشريان الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وتدير شركة «موادئ دبي العالمية» ميناء بربرة الاستراتيجي في الإقليم، ضمن خطة لتحويله إلى مركز لوجستي إقليمي. ويرى مراقبون أن الوجود الإسرائيلي الرسمي، إذا ما تعزز بتعاون أمني أو استخباري، سيمنح تل أبيب “عيناً ساهرة” على خطوط الملاحة التي تعرضت لتهديدات متزايدة مؤخراً، لا سيما من قبل جماعة الحوثي في اليمن.

وفي هذا الصدد، تشير تحليلات إسرائيلية سابقة إلى أن أرض الصومال قد تلعب دوراً شبيهاً بذلك الذي تلعبه أذربيجان بالنسبة لإسرائيل على الحدود الشمالية لإيران، بحيث توفر منصة متقدمة للرصد والمراقبة في بيئة إقليمية معادية.

توقعات بعاصفة دبلوماسية

ورغم غياب ردود الفعل الرسمية الفورية من مقديشو أو الجامعة العربية حتى لحظة إعداد هذا التقرير، فإن المشهد ينذر بتصعيد دبلوماسي. فالحكومة الفيدرالية في الصومال لطالما اعتبرت أي تعامل سيادي مع هرجيسا «انتهاكاً لسيادتها ووحدة أراضيها»، وهو الموقف الذي تكرر بحدة مطلع العام الجاري عقب توقيع مذكرة تفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال.

كما يواجه القرار تحدياً من عقيدة الاتحاد الأفريقي الصارمة بشأن «قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار»، حيث يخشى الاتحاد أن يؤدي الاعتراف بالانفصال إلى تأثير الدومينو في قارة تعج بالحركات الانفصالية.

تداعيات على الأمن القومي العربي

على الصعيد العربي، يضع التحرك الإسرائيلي الدول المشاطئة للبحر الأحمر -وتحديداً السعودية ومصر والسودان وجيبوتي- أمام واقع استراتيجي جديد ومعقد. فالخطوة تضيف لاعباً قوياً إلى رقعة الشطرنج المزدحمة أصلاً بقواعد عسكرية ونفوذ لقوى مثل تركيا، والصين، والولايات المتحدة، والإمارات.

ويحذر خبراء أمنيون من أن أي ترتيبات عسكرية مستقبلية بين تل أبيب وهرجيسا قد تؤثر بشكل مباشر على أمن البحر الأحمر وقناة السويس. هذا الواقع قد يدفع العواصم العربية إلى المفاضلة بين خيارين أحلاهما مر: إما التصعيد الدبلوماسي رفضاً لشرعنة الانفصال، أو الانخراط في سباق نفوذ جديد لضمان عدم ترك الساحة خالية لقوى منافسة.

الاقتصاد بين الفرص ومخاطر «الارتهان»

اقتصادياً، يفتح الاعتراف الباب أمام تدفق الاستثمارات الإسرائيلية في قطاعات البنية التحتية والموانئ، ويسهل اندماج مؤسسات أرض الصومال في النظام المصرفي العالمي وقطاع التأمين، وهي عقبات لطالما عرقلت نمو الإقليم.

غير أن خبراء التنمية يحذرون من مخاطر الاعتماد المفرط على قنوات استثمارية سياسية الطابع، ما قد يخلق “تبعية اقتصادية” ويعمق الفجوة الطبقية بين النخب في المدن الساحلية وسكان الأرياف، مهدداً التماسك الاجتماعي.

وفي زاوية أخرى مثيرة للجدل، تضمن الإعلان بنداً غامضاً حول إمكانية استقبال أرض الصومال للاجئين من قطاع غزة مستقبلاً، وهو ما قد يثير حفيظة الرأي العام العربي والإسلامي، وسط مخاوف من أن يكون الاعتراف جزءاً من صفقة أوسع تتعلق بتصفية القضية الفلسطينية وإعادة هندسة ديموغرافيا اللجوء.

سابقة قانونية ومخاوف من «العدوى»

قانونياً، ورغم المكسب السياسي والرمزي الهائل، لا يغير الاعتراف الإسرائيلي المنفرد من الوضع القانوني لأرض الصومال في الأمم المتحدة، حيث يتطلب الأمر توافقاً دولياً أوسع.

ومع ذلك، فإن الخطوة تؤسس لسابقة خطيرة قد تستند إليها حركات انفصالية أخرى في المنطقة، من جنوب اليمن إلى دارفور، ما يثير القلق من انتشار «عدوى الاعترافات الجزئية» بكيانات الأمر الواقع، متجاوزة التوافقات الإقليمية.

وفي المحصلة، تكون تل أبيب وهرجيسا قد ألقتا حجراً ثقيلاً في مياه القرن الأفريقي الراكدة، لتبقى المنطقة في انتظار ارتدادات الأمواج: هل سيبقى الاعتراف خطوة إسرائيلية معزولة، أم سيتحول إلى كرة ثلج تعيد تشكيل خرائط المنطقة؟

Share This Article
فريق كورة وبس هو فريق من الصحفيين والمحررين ذوي الخبرة، عمل أعضاؤه مع العديد من الصحف والمنصات الإعلامية المعروفة في مختلف أنحاء الوطن العربي. ويقدّم فريق كورة وبس اليوم خبرته الطويلة ليوافيكم بآخر الأخبار والتغطيات في مجالات الرياضة والتكنولوجيا والأخبار العامة في العالم العربي، بأسلوب مهني يعتمد على الدقة والمصداقية.