تصعيد في الشرق اليمني: الرياض ترفض “فرض الأمر الواقع” وتلوّح بانتهاك ترتيبات التحالف
في تطور لافت يعكس عمق التباين داخل أروقة “التحالف العربي”، خرجت المملكة العربية السعودية عن تحفظها الدبلوماسي المعتاد، معلنة رفضها القاطع للتحركات العسكرية الأخيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة شرقي اليمن. وأكدت الرياض أن هذه العمليات تمت بصورة “أحادية الجانب”، ودون أي تنسيق مسبق مع مجلس القيادة الرئاسي اليمني أو قيادة التحالف المشتركة.
ويأتي هذا الموقف السعودي الحازم ليضع حداً للتكهنات حول طبيعة ما يجري في المحافظات الشرقية، حيث طالبت المملكة بوقف فوري لهذه التحركات والانسحاب من المواقع المستحدثة، في رسالة مباشرة موجهة لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتياً، والتي وسعت نفوذها مؤخراً في مناطق استراتيجية وحيوية.
“التحركات الأخيرة في حضرموت والمهرة كانت أحادية الجانب، ولم تحظَ بموافقة مجلس القيادة الرئاسي أو قيادة التحالف، وتعد مخالفة صريحة للترتيبات المعمول بها”.
— مصدر سعودي رسمي لصحيفة “سعودي جازيت”
تغيير المعادلات الميدانية: النفط والسلاح
تشير المعطيات الميدانية إلى أن العمليات التي انطلقت مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، لم تكن مجرد إعادة تموضع روتينية، بل استهدفت مفاصل اقتصادية وعسكرية حساسة في وادي حضرموت ومحافظة المهرة. ووفقاً لمصادر محلية وسياسية متطابقة، نجحت قوات المجلس الانتقالي في فرض سيطرتها على مواقع ذات ثقل استراتيجي، أبرزها:
- منشأة “بترو مسيلة”: القلب النابض لقطاع النفط اليمني وأكبر الشركات الوطنية العاملة في هذا المجال.
- معسكرات الجيش: السيطرة على مواقع تابعة لقوات الحكومة الشرعية، بما في ذلك وحدات من “الفرقة 23 ميكانيكي” وقطاعات تابعة لحرس الحدود.
- طرق الإمداد: التحكم في عقد مواصلات حيوية تربط بين المحافظات الشرقية والحدود الدولية.
ولم تتوقف التحركات عند حدود المنشآت، بل امتدت لتشمل التمدد نحو الحواضر الرئيسية في وادي حضرموت، كمدينتي سيئون وتريم، اللتين شكلتا لسنوات طويلة معقلاً للنفوذ الحكومي، مما يهدد بقلب التوازن الهش في المحافظة النفطية الأهم في البلاد.
الرياض: خرق لآليات العمل المشترك
تنظر الرياض إلى هذه التطورات بوصفها تجاوزاً خطيراً لآليات العمل العسكري المتفق عليها منذ انطلاق “عاصفة الحزم” عام 2015. وترتكز الرؤية السعودية على مبدأ أن أي تحرك عسكري واسع النطاق يجب أن يخضع لتراتبية قيادية واضحة، تمر عبر قيادة التحالف ومجلس القيادة الرئاسي، الذي يُفترض أن يمثل المظلة الشرعية لجميع القوى المناهضة للحوثيين.
وتحذر الأوساط السعودية من أن القفز فوق هذه الترتيبات لا يهدد تماسك الجبهة الداخلية فحسب، بل يفتح الباب أمام صراعات جانبية دموية بين “رفقاء السلاح”، مما يقوض جهود التهدئة الشاملة وينسف مسارات التسوية السياسية التي ترعاها وساطات إقليمية ودولية حثيثة.
أجندات متضاربة: مشروع “الدولة” مقابل “الاستعادة”
على الضفة الأخرى، يبرر المجلس الانتقالي الجنوبي تحركاته بأنها خطوات “مشروعة” وضرورية لتأمين الجنوب وتعزيز نفوذه السياسي والجغرافي. ويرى المجلس، الذي يتمتع بدعم عسكري وسياسي قوي من أبوظبي، أن السيطرة على الموارد السيادية في حضرموت والمهرة جزء لا يتجزأ من مشروعه لـ”استعادة دولة الجنوب”.
ويذهب مقربون من دوائر القرار في المجلس إلى اعتبار وادي حضرموت والمهرة ساحة مفتوحة لصراع النفوذ، مشيرين إلى أن الوجود العسكري الموالي للحكومة – أو للقوى القبلية المحسوبة على الرياض – كان يشكل عائقاً أمام طموحات المجلس في بسط سيطرته الكاملة على الجغرافيا الجنوبية.
التباين السعودي-الإماراتي يخرج إلى العلن
لم يعد بالإمكان إخفاء التباين في الرؤى بين قطبي التحالف، السعودية والإمارات، تجاه الملف اليمني. فالموقف السعودي الأخير جاء ليكشف الغطاء عن خلافات كانت تُدار طويلاً خلف الأبواب المغلقة. وتتجلى هذه الخلافات في نقطتين جوهريتين:
- السعودية: تتمسك بسردية “الدولة اليمنية الموحدة” وضرورة تقوية مؤسسات الحكومة المركزية لضمان أمنها القومي الجنوبي.
- الإمارات: تدعم تمكين قوى محلية حليفة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي، وتدفع نحو ترتيبات تحاكي الانفصال أو الحكم الذاتي الموسع في الجنوب والساحل الغربي.
أمن الطاقة والجغرافيا الحاكمة
تتجاوز أهمية ما يحدث في الشرق اليمني الحسابات المحلية الضيقة، لتلامس عصب أمن الطاقة والملاحة في الإقليم. فحضرموت ليست مجرد محافظة، بل هي “خزان النفط” الذي يمتلك النسبة الأكبر من الاحتياطيات المؤكدة، وتضم البنية التحتية الأساسية للتصدير.
أما المهرة، البوابة الشرقية لليمن، فتكتسب أهميتها من موقعها الجيوسياسي الحساس؛ إذ تجاور سلطنة عمان وتطل على بحر العرب، متحكمة في شريط ساحلي طويل ومسارات برية تشير تقارير دولية إلى استغلالها في عمليات تهريب معقدة للسلاح والوقود. وأي عبث غير محسوب في خريطة السيطرة بهذه المناطق قد يولد اضطرابات تمس أمن الممرات المائية ومشاريع الطاقة المستقبلية في الجزيرة العربية.
تداعيات على مستقبل الصراع والتسوية
يرى مراقبون أن توسع المجلس الانتقالي شرقاً يمنحه أوراق قوة إضافية على طاولة أي مفاوضات قادمة، مكرساً نفسه كفاعل لا يمكن تجاوزه. لكن هذا المكسب التكتيكي للانتقالي يأتي على حساب مشروع “استعادة الدولة”، إذ يعزز واقع الانقسام: شمال تحت قبضة الحوثيين، وجنوب وشرق بعهدة قوى متعددة الولاءات، وسلطة شرعية تتآكل مساحات سيطرتها يوماً بعد يوم.
الحكومة الشرعية.. الحلقة الأضعف
في خضم هذا الصراع، يبدو موقف الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ومجلس القيادة الرئاسي، الأكثر هشاشة. فرغم التأكيدات المستمرة على “المرجعية الشرعية”، ينحسر النفوذ الفعلي للحكومة لصالح القوى المسلحة وتشكيلات الأمر الواقع.
ويطرح هذا الضعف تساؤلات وجودية حول قدرة مجلس القيادة الرئاسي على الصمود ككيان جامع، وحول جدوى الرهان عليه كشريك في صناعة السلام، في ظل عجز مكوناته عن الاتفاق على الحد الأدنى من الأجندة الوطنية المشتركة، واحتكامها المتكرر لمنطق القوة لفرض نفوذها.
