في تطور لافت ينذر بتصدع خطير داخل معسكر “التحالف” في اليمن، اتهم المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتياً، المملكة العربية السعودية يوم الجمعة بشن ضربات جوية استهدفت مواقع لقواته في محافظة حضرموت (جنوب شرق)، مما يرفع وتيرة التوتر بين الرياض وأبوظبي، الشريكين الرئيسيين في الحرب المستمرة منذ سنوات، إلى مستويات غير مسبوقة.
وأفاد المجلس في بيانه بأن الغارات وقعت في السادس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2025 في منطقة “وادي ناهب” بحضرموت، وجاءت غداة تحذير رسمي وجهته الرياض لقوات الانتقالي، طالبت فيه بضرورة الانسحاب الفوري من المحافظات التي بسطت سيطرتها عليها مؤخراً. وفي المقابل، تلتزم الرياض حتى اللحظة الصمت المطبق، حيث لم يصدر أي نفي أو تأكيد رسمي للعملية.
“إن هذا الاستهداف الجوي لقواتنا في حضرموت يشكل انحرافاً خطيراً عن مسار الشراكة، ومحاولة للي ذراع الجنوبيين وإجبارهم على التنازل عن حقهم المشروع في إدارة أرضهم ومواردهم”.
رسائل بالنار.. تحذير أم إعلان مواجهة؟
وصف المجلس الانتقالي الغارات – التي تحدث عن اثنتين منها – بأنها كانت “تحذيرية” الطابع، في ظل شح المعلومات الدقيقة حول حجم الأضرار المادية، وغياب أي توثيق مستقل أو صور أقمار صناعية تؤكد حيثيات الضربة، وسط تكتم شديد يلف مسرح العمليات.
وبينما لم تسجل المصادر المحلية أو الطبية سقوط ضحايا بشكل فوري جراء القصف الجوي، كشفت تقارير ميدانية عن اشتباكات دارت رحاها في الخامس والعشرين من ديسمبر بين قوات المجلس ومسلحين يتبعون زعيماً قبلياً موالياً للرياض في المنطقة ذاتها، ما أسفر عن مقتل عنصرين من قوات الانتقالي.
وكانت الرياض قد وجهت، قبل يوم واحد من الغارات المزعومة، إنذاراً شديد اللهجة لقوات المجلس الانتقالي بضرورة إخلاء حضرموت ومحافظات جنوبية أخرى، في خطوة فسرها مراقبون بأنها محاولة سعودية لكبح جماح التمدد الإماراتي عبر وكلائه المحليين، والحفاظ على ما تبقى من نفوذ الرياض التقليدي في الجنوب اليمني.
ويسود المشهد الجنوبي غموض كثيف حول مستوى الانخراط العسكري السعودي المباشر، لا سيما في ظل غياب أي تعليق من الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والتي تجد نفسها في موقف حرج بين حليفيها الرئيسيين.
الجنوب.. رقعة شطرنج للنفوذ المتضارب
تحول جنوب اليمن إلى ساحة صراع جيوسياسي معقد تتشابك فيه الأجندات المحلية والإقليمية. فالمجلس الانتقالي، الذي يتبنى مشروع استعادة “دولة الجنوب”، بات يسيطر فعلياً على ما يتراوح بين 90 و95 بالمائة من المناطق الجنوبية المأهولة، إضافة إلى إحكام قبضته على قرابة 80 بالمائة من احتياطيات النفط المثبتة في البلاد.
وتكتسب محافظة حضرموت، ببعديها النفطي والجغرافي، حساسية استثنائية؛ فهي لا تمثل فقط خزاناً للثروة، بل تشكل خاصرة رخوة وعمقاً استراتيجياً للمملكة العربية السعودية، نظراً لحدودها الطويلة مع المملكة. وهذا ما يجعلها نقطة الاحتكاك الأبرز بين طموح أبوظبي في توسيع نفوذها عبر المجلس الانتقالي، وبين هواجس الأمن القومي السعودي.
وتنظر الرياض، التي قادت التحالف العربي تحت لافتة دعم الشرعية، بعين الريبة إلى تقويض سلطة الحكومة المعترف بها دولياً لصالح المجلس الانتقالي، معتبرة أن التحركات الإماراتية تهدف لترسيخ كيان جنوبي يمسك بمفاتيح الموانئ والمنافذ الحيوية على بحر العرب وخليج عدن.
في المقابل، يرى خبراء أن استراتيجية الإمارات ارتكزت منذ البداية على بناء تشكيلات عسكرية محلية عقائدية، لضمان موطئ قدم دائم في الممرات المائية وطرق التجارة والطاقة، بعيداً عن الهياكل التقليدية للدولة اليمنية.
الهدنة على المحك.. والرابح “صنعاء”
تأتي هذه التطورات العسكرية في توقيت سياسي بالغ الدقة، حيث تقف الهدنة الهشة في اليمن على أرضية مهتزة قوامها توازن القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين. وأي تصادم مباشر بين الرياض وحلفائها المفترضين جنوباً يهدد بنسف هذا التوازن، وتفكيك الجبهة التي طالما عولت عليها القوى الدولية للضغط على جماعة الحوثي.
ويرجح محللون أن يكون التقدم العسكري السريع للمجلس الانتقالي نحو حضرموت خطوة استباقية لقطع الطريق على أي تفاهمات سعودية–حوثية قد تتم بمعزل عنه، وسعياً لفرض خارطة نفوذ جديدة تضمن له مقعداً وازناً في أي تسوية سياسية قادمة.
“نحن أمام سباق محموم لتثبيت المكاسب قبل إغلاق ملف الحرب. الخلاف السعودي–الإماراتي يقدم للحوثيين هدية استراتيجية مجانية، تتيح لهم توسيع نفوذهم وتحسين شروطهم التفاوضية دون إطلاق رصاصة واحدة”.
هكذا لخص خبير في الشؤون الاستراتيجية اليمنية المشهد، محذراً من أن انشغال الرياض بترتيب بيتها الداخلي في الجنوب قد يمنح الحوثيين هامش مناورة واسع، سواء لتصعيد العمليات العسكرية في الجبهات الشمالية، أو استئناف تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
أمن الطاقة والممرات المائية في مهب الريح
لا يقتصر القلق من هذا التصعيد على الشأن اليمني الداخلي، بل يمتد ليشمل مخاوف دولية جدية على أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، الشريان الحيوي لنقل الطاقة والبضائع بين الشرق والغرب.
فمع اقتراب التوتر من السواحل والموانئ الجنوبية، تصبح سلاسل الإمداد العالمية في مرمى النيران، خصوصاً أن المجلس الانتقالي يمسك بمفاتيح مناطق الإنتاج النفطي وأجزاء واسعة من الشريط الساحلي. وتشير سوابق الصراع في اليمن إلى أن الفراغ الأمني غالباً ما يستدعي فوضى بحرية، سواء عبر القرصنة أو استخدام الممرات المائية كأوراق ضغط سياسية.
“استقرار الجنوب اليمني ليس شأناً محلياً، بل هو ركيزة للأمن الطاقي والدولي. تشتت انتباه القوى الخليجية عن تأمين هذه الممرات قد يخلق ثغرات أمنية قاتلة تستغلها أطراف معادية لزعزعة استقرار المنطقة”.
صمت “البيت الخليجي” والمأزق الدبلوماسي
وفي مفارقة لافتة، لا تزال الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي يلتزمان الصمت حيال هذه الأزمة المتدحرة. ويعكس هذا الصمت حرجاً عميقاً وصعوبة في الاعتراف العلني بالتصدعات التي تضرب جسد التحالف، الذي قُدم للعالم كجبهة موحدة ضد التمدد الإيراني.
ويضع تحول التباين السعودي–الإماراتي إلى احتكاك عسكري (وإن كان بالوكالة أو محدوداً) المؤسسات الإقليمية أمام معضلة حقيقية حول جدوى آليات العمل العربي المشترك، بينما ينخرط قطبا التحالف في صراع نفوذ شرس على الأرض ذاتها.
ورغم ترجيح وجود قنوات اتصال خلفية لاحتواء الموقف، إلا أن غياب المبادرات المعلنة يترك الباب مشرعاً أمام سيناريوهات قاتمة قد تخرج عن السيطرة.
المدنيون.. وقود لصراعات الحلفاء
بالنسبة للمواطن اليمني في حضرموت، لا تعني هذه الحسابات الاستراتيجية سوى مزيد من المعاناة. فالمحافظة التي ظلت بمنأى نسبياً عن ويلات الحرب المباشرة، تجد نفسها اليوم مهددة بالتحول إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
وتشير التجربة اليمنية المريرة إلى أن “الرسائل التحذيرية” غالباً ما تكون مقدمة لجولات عنف تطال البنية التحتية، وتؤدي إلى موجات نزوح جديدة، وتعمق الأزمة الإنسانية في بلد يصنفه العالم كصاحب أسوأ كارثة إنسانية.
رسائل “الرياض” المشفرة
يقرأ مراقبون الخطوة السعودية – في حال ثبوتها – بوصفها رسالة متعددة الرؤوس:
- للمجلس الانتقالي وأبوظبي: بأن تجاوز الخطوط الحمراء السعودية في الجنوب لن يمر دون ثمن عسكري.
- للمجتمع الدولي: بأن الرياض لا تزال تمسك بزمام المبادرة وتملك الكلمة الفصل في الملف اليمني.
- لإيران والحوثيين: بأن الانخراط في مسار التهدئة لا يعني تخلي المملكة عن “عصا” القوة الجوية لفرض معادلاتها الأمنية.
وبين خيارات التصعيد الشامل، أو التوصل لـ”يالتـا” يمنية جديدة تعيد تقاسم النفوذ، يبقى اليمنيون رهينة صراع لا يملكون فيه قرار السلم أو الحرب، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من جلاء لغبار المعارك في حضرموت.
