أزمة بين الحليفين.. لماذا تعتبر الرياض تحركات الانتقالي في الشرق انقلاباً؟

Koooorawabas فريق
By
Koooorawabas فريق
فريق كورة وبس هو فريق من الصحفيين والمحررين ذوي الخبرة، عمل أعضاؤه مع العديد من الصحف والمنصات الإعلامية المعروفة في مختلف أنحاء الوطن العربي. ويقدّم فريق...
9 Min Read

السعودية تُصعّد ضغوطها لإخراج “الانتقالي” من حضرموت والمهرة.. وتلويح بتداعيات “تقويض الوحدة”

  • الرياض تحذر من مخاطر تفكك الجبهة المناهضة للحوثيين وتهديد مستقبل الجنوب.
  • سيطرة القوات المدعومة إماراتياً على الحقول النفطية تفتح باب توتر جديد بين الحليفين الخليجيين.
  • مخاوف من فرض “أمر واقع” انفصالي يعيد رسم الخارطة السياسية والعسكرية لليمن.

في تطور يعكس عمق الأزمة الصامتة داخل أروقة التحالف، صعّدت المملكة العربية السعودية من ضغوطها الدبلوماسية والميدانية على المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتياً، مطالبةً بانسحاب فوري لقواته من المواقع الاستراتيجية التي بسط سيطرته عليها مؤخراً في محافظتي حضرموت والمهرة.

وجاءت التحذيرات السعودية شديدة اللهجة، وفقاً لمصادر مطلعة، لتؤكد أن هذا التصعيد العسكري لا يهدد فقط مستقبل المحافظات الشرقية، بل يضرب في الصميم وحدة الجبهة المناوئة لجماعة الحوثي، ويضع الشعب اليمني أمام سيناريوهات قاتمة.

التحرك السعودي المستجد جاء كرد فعل مباشر على التقدم العسكري الخاطف لقوات المجلس الانتقالي في الشرق اليمني، وهي العمليات التي أفضت إلى إزاحة وحدات عسكرية تابعة للحكومة المعترف بها دولياً، مما أعاد إلى الواجهة شبح تفتيت الدولة اليمنية وإحياء مشروع “الدولة الجنوبية” كأمر واقع بقوة السلاح.

وفي هذا السياق، نقلت مصادر دبلوماسية عن دوائر صنع القرار في الرياض قولها:

“إن هذه الخطوات الانفرادية وغير المحسوبة تُضعف الجهود المشتركة لإنهاء الحرب، وتُعرّض أمن اليمن والمنطقة برمتها لمخاطر لا يمكن التنبؤ بمآلاتها”.

عملية “المستقبل الواعد”.. إعادة رسم خارطة النفوذ بالنار

بدأت ملامح التغيير الدراماتيكي على الأرض مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، حين أطلق المجلس الانتقالي عملية عسكرية واسعة تحت مسمى “المستقبل الواعد”، مستهدفاً مناطق الكثافة الاستراتيجية في وادي حضرموت وأجزاء من محافظة المهرة، التي كانت تخضع اسمياً لسلطة الحكومة الشرعية.

وفي الثالث من ديسمبر، نفذت وحدات تابعة للمجلس، بمشاركة فاعلة من قوات “النخبة الحضرمية”، هجوماً مركزاً على مقر المنطقة العسكرية الأولى في مدينة سيئون. ولم يمضِ وقت طويل حتى تمكنت هذه القوات من التقدم برّاً لإحكام قبضتها على القصر الرئاسي، ومطار سيئون الدولي، وعدد من المرافق السيادية، وسط تراجع للقوات الحكومية.

ولم يتوقف الطموح العسكري عند هذا الحد؛ إذ امتد في اليوم التالي ليشمل الشريان الاقتصادي الأهم، متمثلاً في المنشآت النفطية الحيوية، ومن ضمنها حقول شركة “بترومسيلة” التي تعد عصب الإنتاج النفطي في البلاد. وبالتوازي، شهدت محافظة المهرة ترتيبات سريعة مع قيادات محلية موالية، أفضت إلى رفع علم “دولة الجنوب السابقة” على المؤسسات الحكومية دون الدخول في مواجهات دموية واسعة.

وبحلول الثامن من ديسمبر، أعلنت قيادات المجلس الانتقالي، في خطاب حمل دلالات سياسية واضحة، سيطرتها الكاملة على ما أسمته “محافظات الجنوب السابق” ومعظم مقدرات اليمن النفطية، في خطوة اعتبرها مراقبون إعلاناً غير رسمي عن ميلاد كيان جنوبي مستقل.

وعلى الرغم من غياب إحصائيات دقيقة للخسائر البشرية، فإن سرعة الانهيار في صفوف القوات الحكومية تشير إلى تجنب الاشتباكات الصفرية، إلا أن ذلك لم يمنع حدوث موجة نزوح وظيفي وعسكري، وشلل في الخدمات الأساسية نتيجة فراغ السلطة وتنازع الشرعيات.

حضرموت والمهرة.. صراع الجغرافيا والثروة

لا يمكن قراءة المشهد الحالي بمعزل عن الثقل الاستراتيجي لمحافظتي حضرموت والمهرة، اللتين تشكلان “بيضة القبان” في المعادلة اليمنية، اقتصادياً وجيوسياسياً.

  • اقتصادياً: تمثل المحافظتان الخزان النفطي لليمن، لاسيما حقول المسيلة؛ ما يعني أن الطرف المسيطر عليهما يملك مفاتيح الاقتصاد والتمويل، ويحوز ورقة ضغط تفاوضية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية قادمة.
  • أمنياً وجغرافياً: تمتد المحافظتان على شريط حدودي طويل مع المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، وتطلان على بحر العرب، ما يجعلهما البوابة الخلفية للخليج وممراً حيوياً للطاقة والتجارة الدولية.
  • سياسياً: يُكسب ضم هاتين المحافظتين المجلس الانتقالي شرعية تمثيلية أوسع، حيث يطرح نفسه حامياً “للجنوب التاريخي” وممثلاً لتطلعات سكانه، مستفيداً من البعد الهوياتي والاجتماعي.

من منظور الأمن القومي السعودي، فإن فقدان النفوذ في هذه المناطق الحساسة يعني انكشافاً للحدود الجنوبية الشرقية للمملكة، وصعود قوة مسلحة خارجة عن السيطرة المباشرة للرياض. في المقابل، قد ترى أبوظبي في تمدد حلفائها نحو حضرموت والمهرة تعزيزاً لنفوذها البحري والاقتصادي في جنوب الجزيرة العربية.

اختبار التحالف: تباين الرؤى بين الرياض وأبوظبي

لم يعد التباين في وجهات النظر بين قطبي التحالف، السعودية والإمارات، سراً يُتداوَى خلف الأبواب المغلقة، بل بات واقعاً ملموساً يتجلى بوضوح في الملف اليمني، وتحديداً في حضرموت.

فالرياض، التي تتمسك بعباءة “الشرعية” ووحدة التراب اليمني، تنظر بعين الريبة لتحركات المجلس الانتقالي، وتصفها في دوائرها الخاصة بأنها “انقلاب مكتمل الأركان” يقوّض ما تبقى من مؤسسات الدولة، ويفتت الجهد العسكري الموجه ضد الحوثيين.

“لا يمكن القبول بمعادلات عسكرية تفرض التقسيم كأمر واقع، وتعيد إنتاج الصراعات الداخلية”، بحسب تعبير مسؤولين مقربين من الملف اليمني في الرياض.

على الضفة الأخرى، تواصل الإمارات تقديم الدعم اللوجستي والسياسي للمجلس الانتقالي، باعتباره القوة الأكثر تنظيماً وقدرة على ضبط الأرض في الجنوب. ويعكس الصمت الإماراتي الرسمي تجاه التطورات الأخيرة، وعدم إدانة التوسع العسكري، اختلافاً جوهرياً في المقاربة الاستراتيجية لمستقبل اليمن.

هذا التباين يطرح تساؤلاً ملحاً حول مستقبل اليمن: هل تسعى الرياض للحفاظ على دولة موحدة تدور في فلكها، بينما تمضي أبوظبي قدماً في هندسة كيان جنوبي حليف يضمن مصالحها في الممرات المائية؟

“الانتقالي”: بين لافتة مكافحة الإرهاب وطموح الدولة

في خطابه الإعلامي، يسوق المجلس الانتقالي تحركاته تحت بند “الضرورة الأمنية”، مبرراً عملياته بتطهير المنطقة العسكرية الأولى من “الفساد والفشل”، وحماية الجنوب من خطر الإرهاب والتهديدات الحوثية التي عجزت الحكومة عن صدها.

لكن القراءة السياسية للمشهد تشي بأن ما يجري هو حلقة متقدمة في مشروع استعادة “دولة الجنوب”. فرفع علم الدولة السابقة، وإعادة ترسيم خطوط النفوذ وفق حدود ما قبل 1990، والسيطرة على الموارد، كلها مؤشرات تؤكد أن المجلس لا يتصرف كفصيل ضمن دولة، بل كسلطة أمر واقع تؤسس لكيان مستقل.

ويكرر قادة المجلس في أدبياتهم السياسية عبارة:

“نحن نمثل إرادة شعب الجنوب، وحقه الأصيل في تقرير مصيره واستعادة دولته”.

شبح التفتيت وسيناريو الكيانات المتصارعة

إن ترسيخ سيطرة المجلس الانتقالي على الشرق اليمني يفتح الباب واسعاً أمام سيناريو “البلقنة”، حيث يتحول اليمن إلى كانتونات وكيانات متناحرة.

في ظل هذا السيناريو، قد تنحصر “الشرعية” في جيوب معزولة، بينما يتقاسم النفوذ كيان جنوبي مدعوم إماراتياً، وسلطة حوثية أمر واقع في الشمال. هذا التشظي سيخلق بيئة خصبة لنزاعات مستدامة حول الحدود والموارد والموانئ، ويقضي عملياً على فكرة الدولة المركزية.

ولا تقف المخاطر عند الحدود اليمنية، إذ يهدد هذا التفتيت أمن دول الجوار، ويزيد من حدة التنافس الإقليمي والدولي على الممرات المائية الحساسة في البحر الأحمر وبحر العرب.

موقف الداخل: براغماتية القبيلة وحسابات الشمال

محلياً، يتسم المشهد في حضرموت بالتعقيد. فالمحافظة المعروفة بخصوصيتها التاريخية ورفضها للتبعية، سواء لصنعاء أو عدن، تتعامل نخبها القبلية والسياسية ببراغماتية حذرة مع الواقع الجديد.

ويبدو أن القبول النسبي بسيطرة “الانتقالي” مرهون بقدرته على استيعاب القوى المحلية وضمان مصالحها. لكن هذا الهدوء قد يكون هشاً إذا ما شعرت النخب الحضرمية بأنها مجرد ملحق تابع لمركز نفوذ جديد في عدن.

أما شمالاً، فيراقب الحوثيون المشهد باهتمام بالغ، معتبرين الصراع البيني في معسكر خصومهم فرصة ذهبية لتعزيز مكاسبهم، وربما استغلال الانشغال الجنوبي بترتيب البيت الداخلي لشن هجمات جديدة أو فرض شروط تفاوضية أقسى.

خيارات صعبة ومآلات مفتوحة

أمام هذه المعطيات، تجد الرياض نفسها أمام خيارات محدودة ومعقدة؛ فإما ممارسة ضغوط قصوى لإجبار “الانتقالي” على التراجع، أو محاولة خلق توازنات محلية بديلة عبر دعم قوى قبلية في حضرموت والمهرة لكسر احتكار المجلس للتمثيل الجنوبي.

في المقابل، يبدو أن المجتمع الدولي بدأ يميل للتعامل بواقعية مع خارطة القوى الجديدة، والبحث عن صيغ حكم لا مركزية قد تصل إلى الفيدرالية أو الكونفدرالية، كبديل عن النموذج الوحدوي الذي تآكلت أسسه.

وبينما يسعى المجلس الانتقالي لتثبيت أركان حكمه وبناء مؤسساته مستنداً إلى عوائد النفط، يبقى المشهد اليمني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في ظل شد وجذب بين ضغوط سعودية ترفض الانفصال، وطموح جنوبي يرى أن لحظة استعادة الدولة قد حانت ولا يمكن التراجع عنها.

Share This Article
فريق كورة وبس هو فريق من الصحفيين والمحررين ذوي الخبرة، عمل أعضاؤه مع العديد من الصحف والمنصات الإعلامية المعروفة في مختلف أنحاء الوطن العربي. ويقدّم فريق كورة وبس اليوم خبرته الطويلة ليوافيكم بآخر الأخبار والتغطيات في مجالات الرياضة والتكنولوجيا والأخبار العامة في العالم العربي، بأسلوب مهني يعتمد على الدقة والمصداقية.